mercredi 27 mars 2019

زهير الخويلدي - مهام الفلسفة الطبية

زهير الخويلدي - مهام الفلسفة الطبية: زهير الخويلدي - مهام الفلسفة الطبية



مهام
الفلسفة الطبية
د
زهير الخويلدي
" يمكن أن
يكون الطب بالنسبة للفلسفة العامة في العلوم مناسبة التفكير الابستيمولوجي الأساسي
في العلاقة بين النظرية والتطبيق داخل العلم" -  ألودي جيرو - فلسفة الطب،1[1]
لقد انتهت الفلسفة في الآونة الأخيرة أن اتخذت دلالة واسعة جدا بحيث
لم تعد تفيد أي شيء تقريبا بالنظر  إلى
معناها الأصلي الذي كان يشير إليه اسمها المنحدر من التراث الإغريقي: فيلوصوفيا أي
محبة الحكمة.لعل الاستعمالات الضعيفة لمفردة الفلسفة هي التي تسببت في هذا
الانحباس الدلالي والقصور الوظيفي عندما غدت الصناعة تقتصر على ابتكار المفاهيم
وتمثيل العالم وتحليل اللغة العلمية والتفكير في المعرفة. بينما تم إهمال المعاني
الجذرية للفلسفة الأصيلة والحية والتي احتمت بها البشرية عند الشدائد سابقا للدفاع
عن نفسها وللاحتماء بالقيم الكونية لما كانت تربطها بالحكمة العملية وتتخذها سلاحا
ثوريا ضد الظلم والتفاوت وفنا في الحياة الجيدة وتزج بها في معركة ضمان البقاء في
صراع إرادات من أجل حسن الوجود للأكثر صلابة واقتدار. لا يمكن الاقتصار في تحديد
مفهوم الفلسفة على اعتبارها مجرد معرفة نظرية أو رؤية تصورية للعالم ولا يجدر
الاكتفاء بالتعامل معها على أنها مجرد نظرية لغوية أو مقاربة تفكيرية للحقيقة
وإنما يجب التعويل على التطبيق والممارسة في صياغة المبادئ وإدخالها إلى أرض
الإيتيقا الطبية. لكن كيف تتغلب المجتمعات على المؤثرات والعواطف والأهواء المخلفة
للانقسامات والمنازعات وتتمكن من بناء أشكال مفتوحة من الحياة وتتقاسم  جملة من الرؤى المُيَسِّرَة على تخطي أزماتها
والرد على تحدياتها؟ وماهي المهام المعهودة على الفلسفة الطبية في زمن المرض
المعولم؟
يبدو أن الفلسفة
العملية في حاجة ماسة إلى منهجية المعرفة التاريخية من أجل أن تكون في مستوى الحدث
الحضاري ولكي تكتسب القدرة الإجرائية على فهم عالم الحياة واقتراح توجهات معيارية
تنويرية متروية.لهذا يستمد التفكير في الإيتيقا وجوده من تعقل ظروف حياة المهاجرين
وإجراء نقاشات حول خاتمة الحياة والارتياب من تزايد الفساد في أجهزة الدولة والبحث
المتواصل عن تحيين النزاعات حول المصالح.
 إذ يكفي
أن يخرج المرء إلى الشارع ويلتحق بالجامعة أو يذهب إلى السوق والمساحات التجارية
الكبرى حتى يجد نفسه في عدة إحراجات أخلاقية وتنهال عليه الأسئلة حول المعيار
والقيمة من كل حدب وصوب إلا أنه لا يقدر بسهولة على اتخاذ موقف وتقديم رأي وتسديد
حكم حول السلوك الجيد والقرار الصائب ويحتاج إلى الكثير من التروي والمداولة
والتثبت والتركيز والتدقيق والتحقيق لكي يشرع في حسن الاختيار. هكذا واجه بول
ريكور العديد من المعضلات الشخصية ويصطدم بجملة من المآزق الحقيقية عندما يحاول
استعمال النماذج الفلسفية الكبرى بغية بلورة الرهانات الجماعية ويتعذر عليه العثور
على إيتيقا طبية ملائمة ويجد نفسه مترددا بين التركيز على تخليق السياسة والعناية
الطبية بالمرضى وحسن استقبال المهاجرين وإغاثة اللاجئين وتمكين الناس من حرية
التنقل بين البلدان والمطالبة بحماية المعطيات الشخصية والمطالبة بحق النفاذ إلى
المعلومة والرفق بالحيوانات والنباتات والمحافظة عليها من الانقراض والاهتمام بصحة
الشعوب وسلامة السكان ووقايتهم من الآفات والأوبئة والأمراض الخطيرة.
 كما يمكن للفلسفة الطبية من حيث هي طرح للمبادئ
الخاصة بالصحة وابتكار للمعايير المساعدة على الحياة الجيدة أن توضع على الطاولة
مجادلة الحجج المقنعة وقراءة عميقة للأحداث الكبرى واهتمام دقيق بالتفاصيل والتقاط
منتبه للجزئيات وتعقل شامل للأوضاع أن تكون بوصلة للناس وتدبير حكيم لحياتهم. وتضم
هذه البوصلة كل من البيوإيتيقا وأخلاقيات البيئة وآداب المهنة وضوابط العمل
العمومي ولذلك تقود الرهانات التي تسعى إلى تحقيقها نحو إيجاد فلسفة إيتيقية عابرة
للاختصاصات وتحوز على نظرة كوكبية.
تحاول الكثير من
المجتمعات بالرغم من تعددها وتعقدها أن تصل إلى حالة من التعايش والتآنس في ظل
تنوع القيم واندلاع مواجهات عنيفة ونزاعات طويلة حول أشكال استعمال الجسد وتمثلات
الخير ومعايير المساواة وشروط المواطنة وسبل تحصيل السعادة والدروب الموصلة إلى
الخلاص والغايات التامة للحي.
فالحياة
ليست معركة بين القوى المتصارعة يكون فيها الهدف هو التغلب على الخصم بكل الأساليب
وإنما هي فاصل زمني يسعى من خلاله الجميع إلى تحصيل إمكانيات وإعداد قدرات للنجاح
في تحقيق ذواتهم.
لقد
أحدث مفهوم الإنجاب الطبي انقلابا شاملا في مفهوم العائلة واحتلت وسائل الاتصال
الحديثة مكانة بارزة في الوجود الاجتماعي وصارت أكثر قدرة على توفير المعلومة
والتأثير في الرأي العام وتوجيهه ويمكنها أن تمثل خطرا على الحريات والحقوق وصارت
التأثيرات المناخية تهدد الكوكب وبقاء الأنواع.
لعل أهم تحدي
ينتصب أمام قيام مشروع إيتيقي متكامل هو الانتقال المستمر وغير المجدي الذي يقوم
به الناس من مرجعية إلى أخرى ومن سلم قيمي إلى آخر والبحث المتواصل عن تطابق المبادئ
مع الواقع الأكثر عينية والوحشية الناتجة عن اجتياز السياسة عتبات الضمير الأخلاقي
وعطوبية الأفعال البشرية.
لماذا
تفرض التحولات الكبيرة في أشكال الرهانات أن تظل البوصلة الإيتيقية في حالة إعادة
بناء مستمرة؟
المرجع:
Elodie Giroux, la philosophie de la médicine, in le précis de la
philosophie de la médicine
2011, diriger par  A. Barberousse, D. Bonnay , M. Cozik,
chapitre XII, p406.
كاتب فلسفي








[1]
Elodie Giroux, la philosophie de la médicine, in le précis de la philosophie
de la médicine
2011, diriger par  A.
Barberousse, D. Bonnay , M. Cozik, chapitre XII,p406.

dimanche 10 mars 2019

تدبير الوسائل من نوع الغايات



د زهير الخويلدي
"عامل الإنسانية في شخصك وفي أي شخص آخر، لا كوسيلة، بل كغاية"
                                                                  عمونيال كانط       
ماذا يجب على المرء أن يفعل لكي يصير مواطنا فاعلا في مجتمع عادل تحكمه مؤسسات في دولة مدنية؟
صيغة طويلة للسؤال الأصعب في تاريخ السياسة والأخلاق والقانون تستدعي تدخل الاجتماع والاقتصاد ولكن طرحها بهذه الصيغة هو من المطالب التفصيلية التي تقتضي توضيحا فلسفيا حول الغاية والوسيلة.
السلوك البشري على المستوى الفردي وعلى الصعيد الجماعي تحدده من الناحية الأخلاقية مجموعة الأهداف القصوى والغايات النهائية والتي تتوزع بين الخيرات المطلقة والسعادات الكاملة والنعم التامة والمنافع اللاّمشروطة وتقتضي التسلح بالإرادات والتغلب على الشهوات وتغليب الأنفس على الأبدان.
بيد الأمر ينقلب بشكل تام على الصعيد السياسي من حيث هو خارج إطار الضرورة واللوازم المنطقية وضمن وضعيات الحدوث وظروف الصدفة والإمكان ويتطلب اختيار الوسائل الناجعة والأسلحة الحاسمة والأدوات الفتاكة بغية الزيادة في البطش وتكبير دوائر الخوف وإطالة امتلاك السلطة وإلحاق أشد الأذية بالأعداء وبسط نفوذ الدولة على السكان واحتكار العنف من الحكام وإعادة توزيعه بالمراقبة والمعاقبة.
كما تعتمد السياسة على خطة "الغاية تبرر الوسيلة" وتجعل من الردع أفضل الوسائل للوقاية من العصيان وتضطر إلى فرض منطق القوة على حق المجتمع الأهلي طلبا للمنعة والنظام وبحثا عن الأمن والغنيمة.
لا يكترث السياسي بطبيعة الأدوات التي يستعملها في المناورة والمبارزة سعيا منه إلى افتكاك الحكم والسيطرة عليه ولا يهتم بنظافة اليدين ومشروعية الوسائل وخيرية الطرق وإنما يضع نصب أعينه الموقع ويسرع في الخطى إليه ويجعل من خطابه فضاء من أشكال السخرية والتهكم والتهجم والتربص والترصد ويتسلح بالخديعة والمكر والدسيسة والمخاتلة ويستميل المتعاطفين إليه ويوظف الغافلين في اتجاه غرضه.
غير أن طريق العنف والكذب لا يورث غير الأحقاد والكراهية ولا يزرع غير الأشواك والطحالب وكثيرا ما ينقلب السحر على الساحر وتظهر المخاطر من صلب الاستبداد والتغلب وتندلع المنازعات والمناكفات ويتم الكشف عن المؤامرات وتتضح للعيان المفاسد وما أوصلته سياسة التعسف والظلم إلى جانب المهالك.
على هذا الأساس تستدعى الحكمة ويتم الاحتماء بالأخلاق ويقع الاستنجاد بالقيم النبيلة والالتجاء إلى مملكة العدل وتصوب الأنظار نحو الغايات وتصطف الإرادات وراء الحق ويكون الاختيار على المبدأ الأصلح والمراد الأفضل وتتجه الآمال نحو تدبير المدينة وفق مقتضيات الفضيلة وتبسيط السبل بغية درك الخير.
هكذا تنتصر الحرية على التبعية ويدمغ العلم رأس الجهل وتقضي أنوار المعرفة على كهوف الظلام ويحرس التعليم الشعب وتنظم التربية المجتمع وتتكفل الثقافة بزرع المحبة والثقة بدل الرعب والتحجر وينطلق ركب التعمير والبناء ويكف منهج التدمير والاحتراب وتزداد درجة الالتحام بين المواطنين وتظهر الحاجة إلى المساواة بين الجميع أمام القانون وتعم الفائدة بالتناصف من الخير العام على الكل.
كما تكون الوسائل كذلك تكون الغايات وليس هناك جدار يفصل بينهما وان الحصول على الغاية المطلوبة يتناسب بالضبط مع الوسائل المستخدمة ولا نستطيع الوصول الى هدف حسن دون أن يتبع وسيلة شريفة.
لكي يصير المرء مواطنا فاعلا في دولة مدنية حري به أن يشارك مع غيره في بناء مؤسسات عادلة ضمن أفق الحكمة العملية التي تجمع بين الأخلاق الاجتماعية والسياسة الناجعة وأن تكون الوسائل المتبعة من نوع الغايات المستهدفة ولا أن تكون الغايات هي التي تبرر الوسائل احتراما للكرامة البشرية وصونا للسؤدد الحضاري للدولة وابتعادا عن اقتراف المظالم وإمساكا للغرائز عن العدوان على معالم العمران.
على الإنسان تحكيم ضميره تجاه نفسه وإزاء غيره: "واجبات نحو ذاتنا عينها واجب المحافظة على أنفسنا وتحسين أنفسنا وواجبات نحو الغير احترام الغير، وهذا ما يقود الى عدم انزال أي شخص إلى مستوى الوسيلة، حب الغير، وهذا يقودني إلى أن أتبنى بعض أهدافه، واجب عدم الاغتياب وواجب الآباء"[1]، فمن ذا الذي يمنح الإنسان الاحترام الضروري والتقدير اللازم والاعتراف المتبادل غير الإنسان ذاته؟
المرجع:
1- مونيك كانتو – سبيربير وروفين أدجيان – ، الفلسفة الأخلاقية، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2008.
كاتب فلسفي




[1]  مونيك كانتو –سبيربير وروفين أدجيان، الفلسفة الأخلاقية، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2008. ص46.

جيل الشباب وضرورة التفلسف



د زهير الخويلدي
" لا راحة لمن تعجل الراحة بكسله...وليس العاطل من لا يؤدي عملا فقط بل من يؤدي عملا وبوسعه أن يؤدي أفضل منه" – سقراط-
الفئة الشابة هي العصب الحيوي للمجتمع وعماد المستقبل والطاقات البشرية التي يعول عليها الجميع من أجل المحافظة على المكاسب والاستمرار في العطاء والجد والاتجاه نحو صناعة الغد والقيام بالإصلاحات الضرورية والتجديد الجذري للواقع السائد والانطلاق من الموجود نحو المنشود ومن الكائن إلى الممكن.
يتميز الشباب بالحماس والديناميكية والإقبال على الأمور العظيمة والاستعداد للفعل والاندفاع نحو العمل والإقدام على المغامرة والمشاركة التلقائية في التضحية والالتزام بالتجربة والعودة إلى المبادئ الجماعية والاستعداد للتعلم من الآخرين والاستفادة من النصيحة ومحاكاة النماذج الناجحة والاقتداء بالرموز القوية.
بيد أن الوضعية التي تمر بها الطبقة الناشئة هي على غير ما يرام وتتسم بالضياع والتلاشي والاغتراب حيث تشعر الشبيبة بالغبن والتهميش والإقصاء وتجد نفسها محاصرة في قوالب ضيقة وداخل صناديق فارغة ومحرومة من الكلام والتعبير عن تطلعاتها وانتظاراتها وغير قادرة على الحلم وتشكيل الأمنيات.
لقد فقد الشباب ماهيته وبقيت رغبته في الحياة معلقة ولم يعد قادر على إشباع حاجياته الأساسية وبقي في حالة قعود وحبيس التواكل وفي وضعية خمول ويعاني من بطالة مؤجلة وتعليم فارغ من كل محتوى وتكوين شكلي دون تطبيق ميداني وطالت به الحيرة المقضة التي تحولت إلى لاطمأنينة ودفعته إلى العنف والهجرة واضطر إلى ارتكاب أخطاء في حق نفسه وحق المجتمع والى التفكير في حلول تعويضية زائفة.
في حين أن المعالجة الوجودية للأزمة الفكرية التي تمر بها الشرائح الصاعدة تكمن في توجيهها نحو تعلم الوعي في مسارات التفكير النقدي والإبحار في مطالعة الأدب والقصة ونظم الشعر والتأليف الموسيقي والتمثيل المسرحي والرسم والتصوير والنحت والغناء وإعلاء الرغبات والدوافع نحو إبداعات ثقافية.
كما يمكن تعويض العذاب الفردي والألم الجماعي الذي تعاني منه الشبيبة بربربط الوجود الشخصي بالفضاء المواطني ضمن الحياة الديمقراطية للمدينة السياسية وتحقيق الانسجام بين المؤسسات والغرائز والاحتكام إلى الأخلاق عند مباشرة الفعل السياسي وإعادة خلق الإنسانية عن طريق احترام فلسفة المجتمع وتنمية المهارات والقدرات بالتركيز على وحدة الذات الفاعلة وتكثيف رغبتها في البقاء ضمن الوجود الواقعي وتشريكها في حلم جماعي بالانعتاق من التردي والبؤس والتفاوت والارتقاء إلى منظورية عادلة.
هكذا يجدر تنبيه الشخصية الشابة الى أهمية التفلسف ضمن الحياة العامة عن طريق تقوية درجة مشاعر التضامن والتعاون مع المجموعة الوطنية وتدريبها على حسن استعمال ملكاتها المعرفية في إنتاج المعرفة ومساعدتها للتغلب على الصعوبات التي تعترضها وتشجيعها على إحداث الانقلابات الوجدانية والسير في المنعطفات والقيام بالثورة على السائد والتمرد على الذات والاعتصام بالحرية من أجل افتكاك سلطة اتخاذ القرار والاستحواذ على القدرة الخلاقة للقيم والاستقلال الذاتي وإعادة هيكلة الشخصية وتشييد التكاملية.
إن التفلسف لا يفسد الشبيبة كما اتهم الحكماء الأول في أثينا بل يصلح حياتهم ويصوب خطواتهم نحو الحق ويساعد التفلسف الشباب قصد التغلب على اليأس والإحباط والالتزام ببناء مجتمع متمدن ومتحضر والاشتغال على ابتكار إمكانية جديدة للعالم واتخاذ موقف والشعور بالمسؤولية وعلى التحرك بالأحلام ضمن دوائر الممكن تحقيقه وعلى تجنب المهالك والابتعاد عن تعريض الأنفس للمخاطر بالتسلح بالفرح واللعب وربط الحياة بالأهداف وجعل السعادة القصوى قيمة مستقبلية تنشد بلوغ الغايات المطلقة للكائن المتصالح مع ذاته والمحقق الاعتراف المتبادل والتقدير الكافي من الأوساط الاجتماعية التي انحدر منها. فمتى يجعل شبابنا من التفلسف مسلكية وجودية في حياتهم ويكون اللعب الأفكار أسلوب فرحهم في العالم؟
كاتب فلسفي