jeudi 30 mai 2019
زهير الخويلدي - ابن النفيس واكتشاف الدورة الدموية الصغرى
زهير الخويلدي - ابن النفيس واكتشاف الدورة الدموية الصغرى: زهير الخويلدي - ابن النفيس واكتشاف الدورة الدموية الصغرى
dimanche 26 mai 2019
زهير الخويلدي - ابن البيطار بين العلاج بالنبات وتأسيس علم الصيدلة
زهير الخويلدي - ابن البيطار بين العلاج بالنبات وتأسيس علم الصيدلة: زهير الخويلدي - ابن البيطار بين العلاج بالنبات وتأسيس علم الصيدلة
vendredi 24 mai 2019
زهير الخويلدي - علوم الجغرافيا والمناخ والفلك عند الشريف الإدريسي
زهير الخويلدي - علوم الجغرافيا والمناخ والفلك عند الشريف الإدريسي: زهير الخويلدي - علوم الجغرافيا والمناخ والفلك عند الشريف الإدريسي
lundi 20 mai 2019
دور الفلسفة في الارتقاء بالمرأة،د زهير الخويلدي
" حافظ
على حقك في التفكير، فحتى التفكير الخاطئ هو أفضل من ألا تفكر على الإطلاق"
-هيباتيا-
لقد غيرت الفلسفة نظرة المجتمع للمرأة بصورة لافتة بعد أن غيرت هي نفسها
المنزلة التي تمنحها لها، إذ بعدما تعامل الإغريقيون بشكل فيه الكثير من الاستخفاف
مع النساء ووضعوهم في مرتبة دونية أقل من المواطنة ووضعوها بجوار العبيد وكرست
مواقف سقراط وأفلاطون وأرسطو، ظهرت على خلاف ذلك الفيلسوفة هيباتيا سنة 370 ميلادي
في الإسكندرية واختصت في فلسفة أفلوطين وبرعت في الرياضيات، ودعم ابن رشد هذه
النظرة الايجابية حينما طالب بتحرير المرأة والتعامل معها بنفس المكيال مع الرجل.
لقد تواصل غياب المرأة عن المشهد الفلسفي طوال الأزمنة الحديثة بالرغم من
الجهود المبذولة على مستوى نظريات حقوق الإنسان للارتقاء بها وإصلاح أوضاعها
وتحسين مكانتها في الفضاء المدني.
لقد ساعدت هذه التصورات الحقوقية على بروز الكثير من النساء في الساحة
السياسية والثقافية والعلمية وعلى مطالبة الفكر الاشتراكي بالعدالة والمساواة بين
الجنسين ولكن الأفكار اليمينية ظلت محافظة على نفس النظرة الدونية ومنتصرة دوما
للمجتمع الأبوي والسلطة الذكورية ولقد جسد نيتشه مثل هذا الرأي الخاطئ حينما عبر
عن سخطه وانزعاجه وتنديده من خروج المرأة إلى العمل ومشاركتها الندية للرجل.
لقد نبهت فلسفة الحداثة إلى الفائدة الكبيرة التي يمكن أن تحصل للبشرية
عندما يتم إلغاء النظرة الدونية للنساء والطاقة الهامة التي تمثلها المرأة ودعت
إلى حسن معاملتها ومنحها الكرامة والتقدير اللائق بها.
غير أن المواقف الماركسية الثابتة من تحرير المرأة ومناصرة قضاياها والتصدي
للعنف المسلط عليها والقضاء على التمييز بين الأنثى والذكر ساعد على الاهتمام
بالمشاكل الحقيقية التي تحصل من تغييبها ومكن من ظهور جيل جديد من النظريات
الفلسفية التي تلغي الفوارق وتعود إلى الشأن الإنساني عامة.
لقد ساهم ذلك في بروز الفلسفة النسوية من خلال سيمون دي بوفروار وحنة أرندت
وشخصيات مناضلة في المجال السياسي مثل روزا لكسمبرج وسيمون فايل وفتحت الأبواب على
مصراعيها لكي تفتك المرأة مكانة بارزة في دنيا العلم ومجال الفن والأدب وظهرت
الكثير من المبدعات في جل المجالات والأعمال.
على هذا الأساس كانت الفلسفة ولا تزال ذات موقف ايجابي من المرأة ومدافعة
عن حقوقها وعن منزلتها اللائقة وكل الأفكار المضادة هي مجرد آراء موروثة وأحكام
مسبقة متحاملة ناتجة عن تمركز ذكوري. فماهي الشروط الإيتيقية التي تتوفر لكي تغير
الفلسفة صورة المرأة لنفسها وتجعلها قريبة من الإنساني؟
كاتب فلسفي
زهير الخويلدي - التراكم النضالي والانتاج المعرفي في الحاضرة التونسية
زهير الخويلدي - التراكم النضالي والانتاج المعرفي في الحاضرة التونسية: زهير الخويلدي - التراكم النضالي والانتاج المعرفي في الحاضرة التونسية
samedi 18 mai 2019
زهير الخويلدي - جولة فكرية مع الألمعي طيب تيزيني في رحاب منتدى الجاحظ
زهير الخويلدي - جولة فكرية مع الألمعي طيب تيزيني في رحاب منتدى الجاحظ: زهير الخويلدي - جولة فكرية مع الألمعي طيب تيزيني في رحاب منتدى الجاحظ
lundi 13 mai 2019
العقلانية الأداتية والعقلانية التواصلية، د زهير الخويلدي
" يجب أن يكون الفعل التحرري مؤسسا على
العقل، لأن المهمة الجوهرية للنظرية هي تعقيل الواقع والأحداث وذلك بإقامة نظام
عقلاني للمجتمع"
– بورغن هابرماس، نظرية الفعل التواصلي.
يعتمد المرء على العقل في حياته مثل اعتماده
على الوسائل الإدراكية والمعرفية الأخرى بغية الوعي بالذات والاتصال بالعالم
الخارجي والتأقلم مع المجتمع وتشييد مجموعة معايير متفق عليها بين الكل. بيد أن
استعمالات العقل تختلف من شخص إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى وتتزايد وتتناقص حسب
الطلب والحاجة وتتراوح بين السلب والإيجاب وبين الضرر والنفع وبين التخصيص
والتعميم وتتأرجح بين التحرير والتقييد وتتعالى على الحواس والنص حينا وتخضع لمحك
التجربة والتثبت العلمي أحيانا أخرى.
لقد عرفت العقلانية تحولات قسرية دفعت بها إلى
خوض معركة ضد الطبيعة من خلال التقنية الصناعية وارتداء ثوب الأداتية وممارسة
الترييض للظواهر الفيزيائية وسعت إلى تكميم النوعية والسيطرة التقنية على العالم
والتخلي التدريجي عن المصادر الإغريقية لكلمة عقل التي تفيد الحوار والخطاب والتوضيح.
فما المقصود بالعقل الأداتي؟ ومتى تشكل؟ وماهي
وظائفه ومجالاته؟ ولماذا اعترض عليه العقل النقدي
وناقشه ؟ وماهو الدور العمومي للعقل؟ هل يقتصر على البعد التداولي الحسابي
أم يمكن إيجاد أرضية تواصلية حوارية؟ وكيف يحل العقل التواصلي محل العقل الأداتي؟
وماهي مكاسب العقل التواصلي؟
يعبّر العقل الأداتي عن العقلانية الأداتية التي
لعبت دورا هاما في تطور المجتمع الرأسمالي على الصعيد المادي ويتفق مع العقل
الحسابي والعقل التقني والذكاء الاصطناعي ولكنه يمثل أيضا منطقا في التفكير وأسلوب
في الحياة ورؤية للعالم تنبني على التخطيط والبرمجة والتنفيذ والعد والتوجيه
والتسيير والمتابعة المستمرة ويقر بتبعية الجانب النظري التأملي للجانب الواقعي
المنفعي وأولوية انتقاء الوسائل قبل الغايات.
بيد أن العقل في مظهره الأداتي تحول إلى أداة
لممارسة الهيمنة على الإنسان والطبيعة وتقنية للاستعباد والاستغلال في المجالات
التبادلية وحاز على طبيعة اختزالية لقوته وفقد قدرته على إدراك الحقائق وتمييز
الأشياء وتقلصت وظيفته المعيارية الأصلية وأصبح أيديولوجيا متكلسة وآلة فاقدة
للمعنى والحياة وتتصف بالإقصاء والتمييز والانتقاء وترجع اتخاذ القرار إلى جملة من
الخبراء وتعطي سلطة التصرف للتقنيين.
" العقل الأداتي هو العقل المهيمن في المجتمعات
الرأسمالية الحديثة التي فقد فيها العقل دوره كملكة فكرية وتم تقليصه إلى مجرد
أداة لتحقيق أهداف معينة، وفقد رؤيته للهدف وأصبح مجرد أداة لتوفير الوسائل"1[1]
على هذا النحو تأتي سلبيات العقل الأداتي من تمركزه
حول ذاته والتعامل مع النموذج العلمي التقني بوصفه معيار الصلاحية وشرط النجاعة وإخضاع
كل الأبعاد العملية والفنية للقولبة واغتصاب ما فيها من جمالية وتعبيرية والتركيز
على البعد الكمي وعلاقات التماثل والتطابق والثبات عند النظر إلى الإنسان والطبيعة
وتعمده إهمال الخصوصية ومحاولته إتلاف التغير والاختلاف والتنوع واغفال الجدة
والابتكار.
أما في الفلسفة الاجتماعية يقصد بالعقل الأداتي ذلك النمط
من التفكير الذي يعرف مشكلة ما ويسعى لحلها مباشرة دون تساؤل عن مضمون هذه الحلول
والتبعات التي تنجر عنها وما إذا كانت إنسانية أو لا، بينما العقلانية الأداتية هي
موضوع دراسة لكل من علم
الاجتماع والفلسفة الاجتماعية والنظرية النقدية ، وأول ناقد جدي ربما لهذه
الأداتية هو مارتن
هيدجر الذي يحاجج معاصريه بأن أكبر خطر يحدق بالعالم الراهن
هو العلاقة الأداتية التي تربط العلم بالعالم والقائمة على السيطرة على الطبيعة واستعباد
الإنسان للانسان.
في العقلانية الأداتية يتم التعامل مع العقل كشيء
منفصل لذاته ومعزول عن الإنسان ويمكن استعماله كأداة بمعزل عن غاياته وأهدافه
الإنسانية وخارج إطار الذات الواعية التي تحمله والحرية التي ترتبط بمصيره.
لقد بات العقل أداة لإنتاج أشياء قابلة للتداول
وصناعة الثقافة والنجاح وبرمجة العقلنة بشكل مسبق ونشرها في العالم بطريقة مسقطة
وتعسفية وكرس الاستعمال الناقص والخاطئ والمشوه لما ينتجه التفكير الحاذق.
كما يهتم العقل الأداتي بأسئلة كيف وبماذا ومتى؟
ولكن يهمل أسئلة لماذا وما الغاية من وما قدر هذه؟ وينقد الأشكال دون المضامين
ويسقط في التشيئ والاغتراب ويعكس آليات التبادل المجرد والشكلي للرأسمالية.
والحق أن العقل الأداتي هو جهاز تكنوقراطي يسيّر
المعرفة والمجتمع من المركز ويهمّش جل الأطراف ويؤسس للشخصية السلطوية والنظام
الشمولي وبيروقراطية الإدارة واستبداد الديمقراطية وفردانية الحكم.
بهذا المعنى يشرع العقل الأداتي العلاقة النزاعية
بين الإنسان والطبيعة ويحول المعرفة العلمية إلى أداة للغزو ويترتب عن ذلك إهدار
لإنسانية الإنسان وتلقائيته وبراءته الأصلية وطاقته وقدرته على المبادرة ويعود في
الأصل إلى هيمنة المنطق على عالم الحقيقة وميله إلى إخضاع الأشياء وينتصب عائقا
معرفيا بتفضيل الاكتفاء بالمحصل والقيام بعمليات الإحصاء والحساب والتنظيم والتوقف
عن الاستشراف والخلق.
المشاكل التي أوقع في ها العقل الأداتي الحداثة هي المحاكاة والإسقاط
والفصل بين الذات والموضوع والتشكيل العقلاني للمجتمع من خلال النموذج السبرنيطيقي
والتنكر لهموم السياسية البشر ومطلب التحرر وصناعة الإنسان ذي البعد الواحد في
المجتمع ذي البعد الواحد وتكثيف أدوات القمع والعمل على إفناء الذات وجعلها آلة
راغبة وأداة للاستهلاك في عالم مفتوح يعج بالصور والرغبات غير قابلة للإشباع.
فكيف ساهمت العقلانية الأداتية في قيام العقلانية
النقدية في شكل متقدم وفي مستوى أعمق ومزدوج؟
يأتي العقل
التواصلي بديلا عن العقل الأداتي ويتم التركيز على العقلانية التواصلية ونقد
العقلانية الأداتية وتم الاعتراف بفعاليات وأبعاد يتضمنها العقل تتجاوز العد
والحساب والتمركز والانتقاء والتجزئة والهيمنة ووقع الإقرار بأن مسارات العقلنة
تجرى في دروب متنوعة وتغطي كل ما اعتقد أنه معقلن وما لا يقبل العقلنة وتجسد ذلك
في نظرية الفعل التواصلي عند يورغن هابرماس والمبدأ الحواري عند بول ريكور.
" إن هذا
العقل يتجاوز العقلانية الغربية التي أعطت أولوية مطلقة للعقل الغائي والتي تهدف إلى
تحقيق مصالح وغايات معينة، فهذا العقل يبنى على فعل خلاق يقوم على الاتفاق وبعيدا
عن الضغط والتعسف وهدفه بلورة إجماع يعبر عن المساواة داخل فضاء عمومي...يرتكز على
التفاهم والتواصل العقلي"2[2]
يقوم هابرماس بتقسيم أنشطة العقل إلى قسمين: نشاط معرفي أداتي مرتبط بغاية
ويحقق منفعة ويستخدم المعرفة من خلال التقنية بغية التحكم في الطبيعة والبيئة التي
تحيط بالإنسان. في حين يعد النشاط الثاني فعلا تواصليا تمارسه الذوات القادرة على
الكلام والفعل والحوار ويكون غرضه الأول بلوغ التفاهم.
تدور العملية التواصلية التي ينخرط فيها العقل بشكل مباشر في العالم المعيش
وتمثل الشخصيات العاقلة دور البطولة في هذه العملية وذلك عن طريق اللغة واللسان
والكلام والفعل والحديث والحوار والنقاش والتفاوض والمشاركة الايجابية في صناعة
القرار والتأثير في الرأي العام وتوجيه الميولات والأذواق.
ليس العقل جوهرا مكتملا ولا واقع بذاته بل حالة افتراضية وخزان من الوعود
المشرعة على المستقبل وطاقة تفكير وتصميم وعمل ونسق من البدائل الممكنة التي تنتظر
اتفاق الذوات على وضعها محل تنفيذ.
يعترف هابرماس بأن العقل التواصلي متجذر في الممارسة اللغوية وبأنه يهدف من
استعماله وضع نظرية نقدية في المجتمع والتدخل في الفضاء العمومي عن طريق تجاوز
الذات لذاتيتها وإقحامها في المشاغل المشتركة والإحساس بالآخر وتقديم يد العون له
ولذا يضطر إلى التأليف التقاطعي بين العلم مجال الواقعية الموضوعية والأخلاق مجال
المعايير والمشروعية والفن مجال القيم والدلالات الرمزية والأبعاد الجمالية.
لا يمكن بلوغ درجة العلاقات التواصلية عن طريق الواسطة اللغوية التي تتدخل
ضمن النشاط الاجتماعي ويتم تثمين أبعادها التداولية والارتقاء من الأقوال والألعاب
اللسانية إلى الحركات اللغوية وأفعال الخطاب.
كما تسمح اللغة بالنقاش
والحوار ويسمح المناظرة والمحادثة من التفاوض والتنازل والتسويات ويؤدي ذلك إلى
التعاقد والاتفاق والتفاهم والقبول بالعيش المشترك والرضا بالقسمة العادلة في
المصالح والمواقع.
من شروط التواصل هو التحرر من أشكال الضغط
والسيطرة والإكراه والهيمنة وتمكين جميع الأطراف من التعبير عن آرائها والدفاع عن
نفسها وتكريس ديمقراطية النقاش التي تضمن الإجماع عن طريق الإقناع بالحجة الكافية
والتفاعل الايجابي بين الذوات وتقريب وجهات النظر وتقديم التنازلات. فإذا كانت
اللغة هي الوسيط الأساسي للتواصل بين الذوات وكان التفاهم رهين الاتفاق بين
المشاركين في كل عملية للنقاش العمومي فإن مهمة الفعل التداولي هو إعادة بناء
الشروط الممكنة للتفاهم في كل حوار يقع تنظيمه.
تسعى العقلانية التواصلية
إلى بناء وعي متكامل له توجه اجتماعي عبر عقلنة الواقع وتطهيره من أشكال الاغتراب
والممارسات اللاإنسانية ومن براثن اللاّعقل الذي يحاصر الحياة وخلق شروط القيمة
المضافة بعدم التكيف مع تفاهة المجتمع ومقاومة الإحباط واليأس ونقد النزعة الوضعية
وإدماج الأنظمة الشمولية
جملة القول أن الأفعال
التواصلية لا تتحقق إلا بتغيير جذري وشامل في المجتمع عن طريق ارتقاء بالكلام
المتداول بين الذوات إلى طبقة عالية من العقلانية والاحتكام الى قواعد صلبة
ومعايير صالحة في الكليات التداولية واكتساب أشكال نموذجية من أفعال الكلام مع
تحصيل الكفاءة على الأداء والمقدرة اللغوية على التأثير والفعل. لكن كيف أدت العقلانية التواصلية إلى المطالبة
بتشييد تداولية كونية بين المجتمعات؟
الإحالات والهوامش:
Horkheimer Max, l’éclipse de la raison, traduit par Jacques Debouzy et Jacques Laizé,
éditeur Payot, Paris, 1974.
Habermas Jürgen, la théorie de l’agir
communicationnel, 1981,
Tome1 : rationalité de l’agir et
rationalisation de société,
tome2 : pour une critique de la raison
fonctionnaliste, VI, édition Fayard, traduction française 1987.
كاتب فلسفي
[1]
Voir Horkheimer Max, l’éclipse de la raison, traduit par Jacques Debouzy et Jacques Laizé,
éditeur Payot, Paris, 1974.
[2]
Voir Habermas Jürgen, la théorie de
l’agir communicationnel, 1981, Tome1 : rationalité
de l’agir et rationalisation de société, tome2 :pour une critique de la
raison fonctionnaliste, VI, édition Fayard, traduction française 1987.
زهير الخويلدي - -الحرية في أن تكون حرا- حسب حنة أرندت
زهير الخويلدي - -الحرية في أن تكون حرا- حسب حنة أرندت: زهير الخويلدي - -الحرية في أن تكون حرا- حسب حنة أرندت
jeudi 9 mai 2019
مطلب الغيرية بين الاستعصاء والاعتراف ، د زهير الخويلدي
"الغير هو ذلك الذي ليس هو أنا ولست أنا
هو" جون بول سارتر
إن كثرة تداول بعض الكلمات اليوم مثل الآخر
والغيرية والتنوع والاختلاف والتعددية لا يعني أن معانيها واضحة ومستقرة وأن
المشتغلين بها على بينة من حقيقتها ويدركون التربة التي نبتت فيها وترعرعت بل يجب
القول بأن هذه الكلمات ظلت ملتبسة وتحولت إلى مصطلحات فضفاضة يقذف بها في حقول شتى
من أجل استعمالها لأغراض معينة وإضفاء مشروعية على اختيارات مبيتة مثل جدل
الثقافات وحوار الأديان والتقريب بين المذاهب وحل النزاعات السياسية بالطرق
السلمية وتم تهميش فحواها الفلسفي وبعدها الإتيقي ومقصدها الكوني. ما نلاحظه هو
وقوع العديد من الكتاب في خلط كبير بين التعدد والتعددية ومساعدتهم كلمة الآخر على
حجب لكلمة الغير مثلما تحجب شجرة واحدة الغابة بأسرها ،كما أن الاختلاف قد غطى
ثراء الفرق والبين ولفظ الكثرة قد استعمل مكان التنوع، "إذ يتحدث المرء عن
وجود الآخر وعن حب الآخر وعن الاهتمام بالآخر الخ... ولكن دون أن يطرح السؤال عما
هو ومن يمثل هذا الآخر..." علاوة على ذلك تسود نظرة متمركزة على ذاتها ومفضلة
للأنا في مختلف الثقافات والمجتمعات ويكون المقابل هو التضحية بالغيرية ورفض الآخر
وشيطنته والتحذير من التعامل معه وحتى إن وقع الاهتمام به فمن أجل الاستفادة منه
واستغلاله والسيطرة عليه كما في ترابط الاستشراق بالاستعمار.فكيف نصل إلى نحت معنى
أصيل للغيرية؟ من يكون الغير بمعزل عن كل الأحكام المسبقة الأخلاقية؟ ما طبيعة
العلاقة بين الأنا والآخر؟ هل يكون الغير أنا نفسي كآخر؟ ولماذا يرغب المرء في أن
يكون معترفا به من قبل الآخرين؟ ما الذي يبرر احترام الغير لنا؟ هل نخشى نظرة الغير
أم حكمه؟ هل يمكن احترام الغير دون الحكم عليه سلبا أو إيجابا؟ هل يمكن إقامة
علاقة مع الغير دون هيمنة وتسلط من طرف على طرف؟ وماهو السبيل المفضي إلى تعددية
قادرة على التعبير بشفافية عن كثرة المسالك المفضية إلى إثبات الإنية؟ وهل من
الممكن فعليا تصور وجود ذات بشرية تجمع بين تنوع الوحدة ووحدة التنوع؟ما نراهن
عليه هو تفادي الأنانة والشمولية التي ترفض التعرف على الغير من حيث هو غير
والإقرار بأن الغير هو الوسيط الضروري بين الأنا والأنا عينه وأن الذات لكي تحصل
على حقيقتها الفعلية ينبغي أن تمر بالآخر.إن هذا الأمر يدعونا إلى الوقوف على
دلالات هذه الكلمات وتحديد مفاهيمها والسياقات التي تنطبق عليها ويمكن حول مسألة
الغيرية استخراج أربعة معان:- معنى لغوي: تفيد كلمة غير في لغة الضاد سوى وليس أي
الاستثناء والتميز والاختلاف وهي متماثلة مع كلمة آخر وتحيل على ما لا يكون أنا. في
اللاتينية نجد
Alter وتفيد الآخر وتقابل الهوية، أما في الفرنسية
فنلاحظ وجود فرق بين آخرAutre الذي يدل على كل
ما يختلف عن الذات بالمعنى الواسع وغيرAutrui الذي ينحصر في
مجال الإنسان بالمعنى الضيق المقتصر على الإنسان الآخر.- معنى أنطولوجي: مبدأ
الغير مقابل لمبدأ الهوهو ويعني أن الشيء لا يستمر هو هو بل يمكن أن يكون هوهو
ويمكن أن يكون مخالفا له لاسيما وأن في البدء يكون الغير والتطابق أمر عارض.- معنى
تاريخي: الانطلاق من الوجود التاريخي للغير يعني أن الذات منخرطة في الحياة
وموجودة في العالم وأن إثباتها لإنيتها عملية جدلية ومسار تاريخي من أجل انتزاع
الاعتراف المتبادل مع الآخر. - معنى ثقافي: الغير هنا ليس فقط الشخص الانساني
الآخر بل وأيضا المجتمع الآخر و الثقافة المباينة وأن العلاقة ينبغي أن تتم في
إطار احترام الخصوصية والمشاركة المتساوية في صناعة الكونية والاحترام المتبادل في
إطار حوار وتحالف الحضارات دون تصادم أو تمركز."في الواقع اذا كان الآخر غير
ممكن تعريفه في حقيقته العينية فإنه لا يكون الا أنا آخر وهو ليس غير حقيقي. عندئذ
يمكن أن يكون ويحوز على أكثر أو قليل من الأنا. هكذا يمكن أن يمثل الكمال والتمام
المطلقين، الآخر: الله، السيد، اللوغوس يمكن أن يعني الصغير جدا والقليل جدا:
الطفل والمريض والفقير والقريب ويمكن أن يسمى ما أعتقد أنه مساو لي." ما
نلاحظه أن مفهوم البيذاتية كما وقعه مؤسس الفنومينولوجيا هوسرل كانت الغاية منه
إصلاح الكوجيتو الديكارتية وترميم ذاته بتكثيف حمولته الأنطولوجية وإخراجه من
عزلته وفتحه على العالم وتأثيثه لفضاء مشترك بين الذوات وتصور الذات كحقيقة مفتوحة
على الآخرين وبذل جهد من أجل تجاوز ثنائية الأنا مبدأ السيطرة والآخر موضوع له
ولكنه ظل بعيدا عن اكتشاف مفهوم الغيرية لأنه بقي يتصور الذوات الأخرى على أنها
نسخ مطابقة للأنا وعلى شاكلته. إن البيذاتية هي علاقة معية وتجاور بين نظائر
وكائنات متشابهة وليس بين شخصيات مستقلة ومتميزة عن بعضها البعض وهي تستبعد
الذاتية المحضة ولكنها لا ترتقي إلى مستوى الاعتراف بالغيرية الجذرية.ألم يقل
أدغار موران:"إن كل واحد منا يحمل داخله أنا آخر يكون في نفس الوقت غريبا
ومطابقا لذاته" ؟إن الأنا هو الآخر والآخر ليس دائما وأبدا جحيما كما يقول
سارتر بل الجحيم في العزلة ووجود الآخر ضروري لوجودي ولمعرفة نفسي وان إقحام الآخر
في الأنا أمر ممكن خاصة إذا تعلق الأمر بتجاوز التخوف والعداوة ونحو الصداقة
والمحبة والتعاطف وبناء علاقة سلمية ومنفتحة.إذا كان الغير لا يستطيع أن يطرح نفسه
كموضوع للمعرفة بالنسبة إلى الذات فإنها يمكن أن ترى بشكل ملموس وجودها معها وتفكر
في إقامة علاقة معينة به لاسيما وأن الإنسان لا يوجد البتة وحده حتى وان كان في
عمق عزلته وان العلاقة مع الآخر هي تكوينية بالنسبة للأنا. إن الغير هو العالم
والحرية والجسد وتعبير عن عالم ممكن وكما يقول دولوز:"الغير ليس موضوعا داخل
حقل إدراكي وليس الذات التي أدركها انه في البدء بنية الحقل الإدراكي والتي دونها
لا يستطيع أن يشتغل." إن الأنا والآخر ليسا أبدا كائنين منفصلين بل توجد صلة
بينهما سواء كانت متوترة أم حميمية والغير ليس إذن الآخر الذي يقابله الأنا في
تجربته بل هو المرآة التي يرى من خلالها نفسه ويكون تجربته بالأشياء ويوجد في
العالم. إن الغير ليس مجرد وعي وإدراك بل ذات مطروحة في المواجهة وتنكشف من خلال
النظرة وتتميز بالحرية كنمط جذري من الكينونة وبالرغبة في التملك والاستحواذ
والهيمنة.بيد أن العلاقة مع الغير تفترض من الناحية الأخلاقية الاعتراف بوجود جانب
في الآخر يستحق الاحترام والتقدير مما يجعله موضوع اعتراف بإنسانيته. عندئذ ينبغي
تفادي الأداتية في بناء العلاقات الإنسانية وبين الكائنات بصفة عامة ويجب ألا يكون
الآخر مجردة وسيلة من أجل تحقيق غايات معينة وإنما من الضروري معاملة الغير كشخص
له كرامة وما ينطبق عليه ينطبق علي أيضا.إن الاحترام
Respect بهذا المعنى هو ما ينطبق على الأشخاص الذين
يعاملون وفق منزلة أرفع من الأشياء والاحترام ليس مجرد حب وإعجاب بل واجب وفضيلة
تؤسس لعلاقة تكامل وتبادل للمشاعر النبيلة بين الطرفين وقد قيل عاش من عرف قدره
وباحترام الآخرين تحترم نفسك وتجد من يحترمك.فكيف يكون الإنسان على شاكلة غيره في
نفس الوقت الذي يبقى فيه عند ذاته على حد تعبير بول ريكور؟ وهل يمكن أن تنتقل
العلاقة مع الآخر من علاقة بأنا آخر إلى علاقة مع آخر الأنا؟ وكيف نتجاوز العداوة
والانتفاعية إلى الصداقة والتواصل؟إن تثمين دور الغيرية هو الاعتقاد بأن الذات لا
توجد بحق إلا بقدر ما تعتبر نفسها موجودة بالنسبة إلى الآخرين. إن الغير موجود
وليس موضع معرفة أو مجال للممارسة الإيثار وتطبيق القواعد الأخلاقية ومضومنه يتغير
بتغير المقاربات وإذا كان في الفلسفة القديمة يعنى الطفل والمرأة والبدن والأرض
والغريب وإذا أصبح في الفلسفة الحديثة يدل على اللاأنا والجسد والخيال والمتوحش
والحيواني والماورائي فإنه في الفلسفة المعاصرة بات يعرف باللاوعي والمجهول
واللامحدود والعدواني والنسوي والليلي والمدنس والطبقة والغريزة والتاريخ
والزمان." هذا التعالق بين الأنا والآخرين يخرج عنهما معا:1- صيغة تجريم
الآخر وتبرئة الأنا2- صيغة احتقار الأنا وإيثار الآخر3- بناء صيغة ثالثة: حماية كل
منهما دون استبدال جهنمية الآخرين بفردوسية الأنا.العلاقة بين الأنا والآخر ليست
علاقة شيطانية/ ملائكية بل هي علاقة بشر يخطئون ويخونون ويتواجهون ولكنهم يلتقون
أيضا ويتفقون في ما بينهم في الحب وفي العمل وتستجيب الأحداث لإرادتهم. إنها علاقة
حية بين أحياء لا يصح أن نطبق عليها معايير الموت فنحن نموت وحيدين ولكننا نعيش مع
الآخرين، إننا الصورة التي يحملونها عنا وهناك حيث هم نكون نحن أيضا." لكن
كيف يكون الغير هو في نفس الوقت المماثل والمباين لي؟ كيف يتميز عني بخصائصه الفردية
وانتماءاته العرقية والدينية ويشبهني في اهتماماته الفكرية وسماته الإنسانية
ويقاسمني نفس القيم الكونية؟ ماذا نقصد بالغيرية الجذرية؟ وهل يعني ذلك التمييز
بين الغيرية البعيدة والغيرية القريبة؟ كيف تتحول الغيرية إلى شرط إمكان تحقيق
الإنية الفعلية بماهي بلوغ الأنا درجة الوجود الأشرف؟ ومتى نتخلى عن وهم الاعتقاد
في إمكان تحقيق الإنية بإقصاء كل أشكال الغيرية؟
المراجع:
Deleuze Gilles, logique du
sens, Editions. De minuit,Paris, 1969
Edgar Morin, l’humanité de
l’humanité, Edition, du Seuil, Paris , 2001Luce in Garay, J’aime à toi, édition
Grasset Paris 1992.
د عبد العزيز العيادي، مسألة الحرية ووظيفة
المعنى في فلسفة موريس مرلو-بونتي، صامد للنشر والتوزيع، صفاقس، 2004،
كاتب فلسفي
dimanche 5 mai 2019
الأخلاق بين الخير واالسعادة، د زهير الخويلدي
تمهيد:
عديدة هي الإحراجات والمشاكل العملية التي تطرحها المسائل النظرية سواء في المسالة السياسية وما تفتح عليه من اغتراب سياسي ومن فساد يجعل المواطنة مجرد فكرة صورية أو مثال أعلى يُشرَّع له قانونيا، في مقابل ممارسة سياسية تحول المواطن إلى مستهلك و تجعل الدولة تستبد بالسيادة فتقضي على المواطنة كما يتم الاعتداء على السيادة في واقع العولمة الموجهة من قبل القوى الامبريالية في العالم.
كل هذه المصاعب هي بمثابة ورطات ووضعيات حدية تجعل الفلسفة الأخلاقية في زمن العولمة ضرورة وجودية إذا ما رام الإنسان الحفاظ على إنسانيته وتحقيق كونية أصيلة تصالح بينه و ذاته والآخر والعالم في فضاء مشترك شهد تسارع نسق التواصل الذي كشف هو الآخر عن احتياجه إلى إيتيقا تصالحية ترتقي بالمرء من مجرد كائن اتصالي إلى أن يكون كائن تواصلي بامتياز.
من البين إذن أهمية الأخلاق في المجتمع البشري إذ يؤدي فقدان الأخلاق الطيبة إلى الأمراض الجسدية والنفسية واعتلال الصحة والجهل بالمصير وصعوبة تحمل نوائب الدهر؛ ولذلك استحق الكائن العامل الوحيد لقب الإنسان بما يحمله من خلق يعبر به إرادته وحريته ومسؤوليته.
على هذا النحو تبدو فضائل الأخلاق من الأركان الأساسية لسعادة البشر وتكامله المادي ورقيه المعنوي.وإن الوجود اليومي للإنسان يعلن الحاجة الملحة لاستعادة الفلسفة الأكسيولوجية، وقد نتج عن ذلك ازدياد الطلب على الأخلاق بشكل متزايدا خاصة في ظل غيابها في ساحة المجتمع.
لكن المفارقات تظهر حينما تطرح الأسئلة التالية: ما المقصود بالأخلاق؟ وماهو مفهوم الخير؟ وكيف يمكن تعريف السعادة؟ أليست السعادة هي الخير الأسمى؟ وألا تتناقض الخيرات الجزئية مثل الشهرة والثروة والصحة والسلطة والنجاح مع السعادة كغاية في حد ذاته؟ و متى يكون الفعل خيرا؟ ومتى يكون شرا؟ ماهي شروط انجاز الفعل الخير؟ وهل يحقق عمل الخير السعادة الإنسانية؟
الإنسان مدني بالضرورة و يحتاج إلى الأخلاق الفاضلة والاهتداء بنور القيم وتوجيهية المعايير لأن تدنيس المقدسات والرضا بحالة الفراغ والعدمية يؤدي إلى الضياع والحيرة والظلال في العالم والتصادم مع الآخر والإساءة إلى الذات والى الطبيعة .
عديدة هي الإحراجات والمشاكل العملية التي تطرحها المسائل النظرية سواء في المسالة السياسية وما تفتح عليه من اغتراب سياسي ومن فساد يجعل المواطنة مجرد فكرة صورية أو مثال أعلى يُشرَّع له قانونيا، في مقابل ممارسة سياسية تحول المواطن إلى مستهلك و تجعل الدولة تستبد بالسيادة فتقضي على المواطنة كما يتم الاعتداء على السيادة في واقع العولمة الموجهة من قبل القوى الامبريالية في العالم.
كل هذه المصاعب هي بمثابة ورطات ووضعيات حدية تجعل الفلسفة الأخلاقية في زمن العولمة ضرورة وجودية إذا ما رام الإنسان الحفاظ على إنسانيته وتحقيق كونية أصيلة تصالح بينه و ذاته والآخر والعالم في فضاء مشترك شهد تسارع نسق التواصل الذي كشف هو الآخر عن احتياجه إلى إيتيقا تصالحية ترتقي بالمرء من مجرد كائن اتصالي إلى أن يكون كائن تواصلي بامتياز.
من البين إذن أهمية الأخلاق في المجتمع البشري إذ يؤدي فقدان الأخلاق الطيبة إلى الأمراض الجسدية والنفسية واعتلال الصحة والجهل بالمصير وصعوبة تحمل نوائب الدهر؛ ولذلك استحق الكائن العامل الوحيد لقب الإنسان بما يحمله من خلق يعبر به إرادته وحريته ومسؤوليته.
على هذا النحو تبدو فضائل الأخلاق من الأركان الأساسية لسعادة البشر وتكامله المادي ورقيه المعنوي.وإن الوجود اليومي للإنسان يعلن الحاجة الملحة لاستعادة الفلسفة الأكسيولوجية، وقد نتج عن ذلك ازدياد الطلب على الأخلاق بشكل متزايدا خاصة في ظل غيابها في ساحة المجتمع.
لكن المفارقات تظهر حينما تطرح الأسئلة التالية: ما المقصود بالأخلاق؟ وماهو مفهوم الخير؟ وكيف يمكن تعريف السعادة؟ أليست السعادة هي الخير الأسمى؟ وألا تتناقض الخيرات الجزئية مثل الشهرة والثروة والصحة والسلطة والنجاح مع السعادة كغاية في حد ذاته؟ و متى يكون الفعل خيرا؟ ومتى يكون شرا؟ ماهي شروط انجاز الفعل الخير؟ وهل يحقق عمل الخير السعادة الإنسانية؟
الإنسان مدني بالضرورة و يحتاج إلى الأخلاق الفاضلة والاهتداء بنور القيم وتوجيهية المعايير لأن تدنيس المقدسات والرضا بحالة الفراغ والعدمية يؤدي إلى الضياع والحيرة والظلال في العالم والتصادم مع الآخر والإساءة إلى الذات والى الطبيعة .
1- من الأخلاق إلى الإيتيقا:
بادئ ذو بدء ينبغي أن نبين أن مفهوما الأخلاق Morale والإيتيقا Éthique متداخلان إلى حد كبير وقد يعنيان نفس الشيء وهما متماثلان في الفلسفة القديمة والحديثة.
ولكن بداية من الفلسفة المعاصرة وجدت العديد من المبررات التي تستوجب الفصل بينهما وظهرت عدة أنماط من التفلسف الأكسيولوجي التي تحاول رسم الحدود الفاصلة بينهما. هناك اختلاف بين مفهوم الايتيقا ومفهوم الأخلاق. فالايتيقا هي التسليم بجملة من المبادئ أو الأوامر المحددة لكيفية التعامل بين الأفراد، و حسن تدبير شؤون الحياة و هي أساسا وضع قواعد الأفعال. و الأخلاق هي مجموع الأوامر السائدة في عصر ما أو مجتمع من أجل الاقتداء بها.
لقد ميز ريكور الأخلاق تتمثل في القانون أو الواجب بما هو صيغة كونية مطلقة صورية ويلزم أفعالنا و تكمن قيمته في ذاته و لا يأخذ بعين الاعتبار اندراج الفعل في سياق التجربة الإنسانية. أما الأيتيقا فهي تفكير و زاوية في مقاربة الإشكاليات الفلسفية تستهدف "الحياة الجيدة الخيرة مع الآخر ومن أجله في مؤسسات عادلة" أي هي النظر في غايات الوجود الإنساني ضمن الذاتية الحية للأفراد بما هي ذاتية منغرسة في المعيش و تتساءل عن القيم مثلما تبدعها الذات و نحياها "الآن و هنا". ولكن تقدير الذات لذاتها لا ينفصل عن العناية بالآخر ولا يكتمل إلاّ بإقامة نوع من "العيش معا" إلى حد الحميمية يتجلى في قيمة الصداقة. على هذا النحو إن كلمة إيتيقا Ethique الفرنسية من أصل يوناني، وتعني البحث عن نسق من المبادئ يهدف إلى وجود بشري خير وسعيد, في حين أن كلمة أخلاق Morale الفرنسية من أصل لاتيني، و تتحدد كنظرية في الإلزام، نظرية في القانون والواجب الأخلاقي باعتباره قانونا لامشروطا وكونيا. و يجب أن نلاحظ أن الإيتيقا تشهد اليوم أكثر حظوة في مقابل احتشام الاهتمام بالأخلاق. والإيتيقا اليوم تفيد عموما النظرية العقلانية حول الفعل و الحياة الخيرة وبالتالي تتمثل في دراسة مشاكل القيم التي تطرحها مسائل المحيط (إتيقا المحيط) والممارسات الطبية (البيوايتيقا)... ذلك أن القانون الأخلاقي و الـجبر الأخلاقي يشهد اليوم تراجعا أمام الحياة الخيرة. و من هذا المنطلق يبدو من المشروع بالنسبة إلينا أن نطرح المشكل الإيتيقي الذي يتعلق بالخير و السعادة و إذا كان الخير الأسمى هو المطلب الأساسي في الفعل الأخلاقي. لكن فيما يتمثل هذا الخير؟ هل في الواجب أم في السعادة؟ وما هي طبيعة العلاقة بين الخير والواجب والسعادة؟
2- الأخلاق بين الخير والمنفعة:
الخير عموما هو أن يجد كل شيء كمالاته اللائقة به بينما الشر هو فقدان ذلك. ومفهوم الخير هو الأساس الذي تبنى عليه مفاهيم الأخلاق كلها لأنه القياس الذي نحكم به على قيمة أفعالنا في الماضي والحاضر والمستقبل. أما الخير الأسمى المطلق فهو الذي يكون مرغوبا فيه من قبل كل إنسان بينما الخير النسبي هو الذي يكون خيرا عند بعضهم وشرا عند بعضهم الآخر.
يقول ابن سينا:"الخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء ويتم به وجوده...وقد يقال أيضا خيرا لما كان نافعا ومفيدا لكمالات الأشياء" ويقول ديكارت:" الخير الأسمى هو بالتأكيد الشيء الذي نضعه هدفا لكل أعمالنا والانبساط الروحي المتولد عنه والذي نسعى إليه هو غايتنا"
وينقسم الخير عند كانط إلى خير طبيعي محسوس وخير خلقي معقول وهذا الأخير هو الخير الأعظم والأسمى ويعنى عند بعض الفلاسفة الوجود الذي ليس لذاته حد ولا لكماله نهاية لأنه خير لذاته وبذاته.
"يبدأ تاريخ الطبيعة بالخير لأنها من صنع الإله ويبدأ تاريخ الحرية بالشر لأنها من صنع الإنسان" كانط
" لقد منح الله الإنسان الحرية لكي يفعل الخير والضمير لكي يريده والعقل لكي يختاره" روسو
الخير هو شيء أو حالة مرغوبة، ممتعة، أو ما يُعتبر من الناحية الأخلاقية أفضل من شيء آخر أو من حالة أخرى. والخير هو نقيض الشر أيضا. يُعرف الشيء الخيّر أو حالة الخير دائما بشكل نسبي لأشياء أو لحالات أخرى، وتعريفه هو دائما شخصي ذاتي متعلق بسياق الزمان والمكان والعلاقات بين البشر.
الخير كشيء ممتع عند الأبيقوريين وما يثير الإحساس بالمتعة أو بالرضا لدى البشر، والخير كمجد وشهرة والنجاح، وهناك تعريف ثالث للخير يقوم على الجدوى والمنفعة وما يعود بالفائدة على الإنسان. وكان جيرمي بنتهام قد عرّف المجدي على أنه ما يعود بالسعادة الكبيرة للعدد الأكبر" من الناس. من هذا المنطلق " يتفطن الإنسان بعد أن أمضى حياته في البحث عن الحقيقة أنه كان من الأفضل لو استغلها في فعل الخير" هنري برجسن. لكن كيف تجمع الأخلاق بين تحصيل السعادة والحياة الفاضلة؟
3- الأخلاق بين الفضيلة والسعادة:
السعادة لا تنتج عن اللذة بل إلى قبول الحادث باعتباره تعبيراً عن النظام. والخير هو الفضيلة وهي تعبير عن انسجام داخلي يتوحد مع انسجام العالم الكلي. وبالتالي ان السعادة نتيجة للفضيلة، والفضيلة كائن حي، فهي من حيث الماهية بالفكر تكون الرصانة العقلية والتروي والتحلي بالحكمة العملية.
ولكن في ربط مفهوم الخير والسعادة نتحدث عن أن الاتيقا حسب أرسطو " تعتبر الإيتيقا بالنسبة إليه معرفة متعلقة بالفعل, و ترتبط بالخير الأسمى الذي يمثل غاية كل فعل إنساني, والخير الأسمى هو السعادة, و هكذا فإن السعادة عند أرسطو تتمثل في فعل عقلي يتحدد في التأمل كنشاط عقلي, الذي يتماهى والفضيلة." وعند كانط نتحدث عن الأخلاق " يعتبر كانط أن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يقوم بالواجب من أجل الواجب ."قلنا أن الأخلاق تهدف الى الخير لذلك نحاول تحديد العلاقة بين الخير و السعادة.
هكذا تكون السعادة هي الخير الأقصى فليس يفضلها شيء آخر يمكن أن يناله الإنسان فكل ما عداها هو وسيلة لبلوغ السعادة. ومن الطبيعي أن تكون الغاية القصوى من التفلسف هي تحقيق السعادة. لكن عند الرواقيين السعادة ليست فردية ولا يمكن لها أن تكون كذلك بل هي جماعية، فالاجتماع الإنساني هو بحد ذاته موافق للطبيعة وهو صادر عن امتداد التعاطف إلى خارج نطاقها.
خاتمة نقدية:
تبدو السعادة في المعنى الأول هي الخير الأسمى والغاية المطلقة التي تطلب لذلتها وينال الإنسان من ورائها الرضا الروحي والغبطة السرمدية والنعيم الدنيوي، غير أن المجتمع الاستهلاكي في عصر العولمة قد جعل السعادة رهينة التمتع بحياة الوفرة والرفاه في معنى ثاني تتناقض مع الخير، وبالتالي ان ما يعتبر السعادة مثال أعلى، بالنسبة للنفعية، هو كونها مقصودة وفق إستراتيجيا جماعية و كونها ترتكز على الاعتقاد في التقدم التقني و الاقتصادي. ذلك أن تفاؤل الفلاسفة البراغماتيين جعلهم يربطون السعادة بتطور المعرفة والذكاء الإنساني والإقبال على الحياة والاهتمام بإشباع الرغبات والاعتناء بالجسد، وهو ما يؤكد أن السعادة هي أساسا مثال أعلى، فكرة، شيء علينا تحقيقه لا فقط بالنسبة للأفراد بل لكل الناس، و من هنا بالذات يحصل الانزلاق الذي يجعلنا نتحول من الإنسانية إلى النفعية كما تجلت عند بنتام وميل، ثم إلى المادية الصرفة و الفردانية التي غدت فيها السعادة اليوم مرادفة للرفاه.
فأن نعتبر الخير كمجموع الخيرات التي يمكن الحصول عليها، و أن يبحث كل فرد عن أكثر لذة و أقل عناء، هو أن نعتبر سعادة الفرد جزءا من الرفاهة العامة. ذلك أن النفعية تتحدث عن السعادة في المستوى الاجتماعي، وبالتالي السعادة لكل الناس رغم كونها تختزل الخير في النافع وبالتالي تتماهى السعادة مع الرفاه في المجتمعات الاستهلاكية. لكن الفردانية ليست فقط واقع ولكنها أيضا مثال أعلى، وإتباع حاجات الفرد كعنصر في المجتمع ليست فقط أمرا مقترحا بل يقدم كخير مطلق. فالمجتمع الاستهلاكي ليس فقط مادي، وذو نزعة مادية لأنه يكرس خطابا يسعى من خلاله لإقناع كلّ الأفراد، بل انه مثالي بطريقته، بما انه يقدم الرفاه كمثال أعلى، رفاه فردي ولكن رفاه فردي لكلّ الناس. وخطاب السوق هذا، ككل خطاب أيديولوجي، يزعم انه يقدم أجوبة لكل التساؤلات. وحول السؤال الذي قد يطرحه كلّ واحد منا: ما السعادة؟ يجيب يجتمع مجتمع السوق بدلا عنا. وإجابة المجتمع الاستهلاكي تقدم لنا مثالي السعادة كرفاه، وبهذه الكيفية يكون لكلّ الناس نفس مثالي السعادة. والمجتمع الاستهلاكي الذي يدفعنا للفردانية، يدفعنا جميعا كالقطيع، وهذا النوع من الفردانية ليس مرادفا بالضرورة للتسيير الذاتي وللحرية. أليس مذهب السعادة هو الذي يجعل الغبطة هي السعادة القصوى التي يشعر فيها المرء بالرضا الروحي ونعيم التأمل والنظر؟ فهل تحصيل السعادة أمرا ممكن ؟ وهل نطلبها من اجل ذاتها أم من اجل أشياء أخرى
بادئ ذو بدء ينبغي أن نبين أن مفهوما الأخلاق Morale والإيتيقا Éthique متداخلان إلى حد كبير وقد يعنيان نفس الشيء وهما متماثلان في الفلسفة القديمة والحديثة.
ولكن بداية من الفلسفة المعاصرة وجدت العديد من المبررات التي تستوجب الفصل بينهما وظهرت عدة أنماط من التفلسف الأكسيولوجي التي تحاول رسم الحدود الفاصلة بينهما. هناك اختلاف بين مفهوم الايتيقا ومفهوم الأخلاق. فالايتيقا هي التسليم بجملة من المبادئ أو الأوامر المحددة لكيفية التعامل بين الأفراد، و حسن تدبير شؤون الحياة و هي أساسا وضع قواعد الأفعال. و الأخلاق هي مجموع الأوامر السائدة في عصر ما أو مجتمع من أجل الاقتداء بها.
لقد ميز ريكور الأخلاق تتمثل في القانون أو الواجب بما هو صيغة كونية مطلقة صورية ويلزم أفعالنا و تكمن قيمته في ذاته و لا يأخذ بعين الاعتبار اندراج الفعل في سياق التجربة الإنسانية. أما الأيتيقا فهي تفكير و زاوية في مقاربة الإشكاليات الفلسفية تستهدف "الحياة الجيدة الخيرة مع الآخر ومن أجله في مؤسسات عادلة" أي هي النظر في غايات الوجود الإنساني ضمن الذاتية الحية للأفراد بما هي ذاتية منغرسة في المعيش و تتساءل عن القيم مثلما تبدعها الذات و نحياها "الآن و هنا". ولكن تقدير الذات لذاتها لا ينفصل عن العناية بالآخر ولا يكتمل إلاّ بإقامة نوع من "العيش معا" إلى حد الحميمية يتجلى في قيمة الصداقة. على هذا النحو إن كلمة إيتيقا Ethique الفرنسية من أصل يوناني، وتعني البحث عن نسق من المبادئ يهدف إلى وجود بشري خير وسعيد, في حين أن كلمة أخلاق Morale الفرنسية من أصل لاتيني، و تتحدد كنظرية في الإلزام، نظرية في القانون والواجب الأخلاقي باعتباره قانونا لامشروطا وكونيا. و يجب أن نلاحظ أن الإيتيقا تشهد اليوم أكثر حظوة في مقابل احتشام الاهتمام بالأخلاق. والإيتيقا اليوم تفيد عموما النظرية العقلانية حول الفعل و الحياة الخيرة وبالتالي تتمثل في دراسة مشاكل القيم التي تطرحها مسائل المحيط (إتيقا المحيط) والممارسات الطبية (البيوايتيقا)... ذلك أن القانون الأخلاقي و الـجبر الأخلاقي يشهد اليوم تراجعا أمام الحياة الخيرة. و من هذا المنطلق يبدو من المشروع بالنسبة إلينا أن نطرح المشكل الإيتيقي الذي يتعلق بالخير و السعادة و إذا كان الخير الأسمى هو المطلب الأساسي في الفعل الأخلاقي. لكن فيما يتمثل هذا الخير؟ هل في الواجب أم في السعادة؟ وما هي طبيعة العلاقة بين الخير والواجب والسعادة؟
2- الأخلاق بين الخير والمنفعة:
الخير عموما هو أن يجد كل شيء كمالاته اللائقة به بينما الشر هو فقدان ذلك. ومفهوم الخير هو الأساس الذي تبنى عليه مفاهيم الأخلاق كلها لأنه القياس الذي نحكم به على قيمة أفعالنا في الماضي والحاضر والمستقبل. أما الخير الأسمى المطلق فهو الذي يكون مرغوبا فيه من قبل كل إنسان بينما الخير النسبي هو الذي يكون خيرا عند بعضهم وشرا عند بعضهم الآخر.
يقول ابن سينا:"الخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء ويتم به وجوده...وقد يقال أيضا خيرا لما كان نافعا ومفيدا لكمالات الأشياء" ويقول ديكارت:" الخير الأسمى هو بالتأكيد الشيء الذي نضعه هدفا لكل أعمالنا والانبساط الروحي المتولد عنه والذي نسعى إليه هو غايتنا"
وينقسم الخير عند كانط إلى خير طبيعي محسوس وخير خلقي معقول وهذا الأخير هو الخير الأعظم والأسمى ويعنى عند بعض الفلاسفة الوجود الذي ليس لذاته حد ولا لكماله نهاية لأنه خير لذاته وبذاته.
"يبدأ تاريخ الطبيعة بالخير لأنها من صنع الإله ويبدأ تاريخ الحرية بالشر لأنها من صنع الإنسان" كانط
" لقد منح الله الإنسان الحرية لكي يفعل الخير والضمير لكي يريده والعقل لكي يختاره" روسو
الخير هو شيء أو حالة مرغوبة، ممتعة، أو ما يُعتبر من الناحية الأخلاقية أفضل من شيء آخر أو من حالة أخرى. والخير هو نقيض الشر أيضا. يُعرف الشيء الخيّر أو حالة الخير دائما بشكل نسبي لأشياء أو لحالات أخرى، وتعريفه هو دائما شخصي ذاتي متعلق بسياق الزمان والمكان والعلاقات بين البشر.
الخير كشيء ممتع عند الأبيقوريين وما يثير الإحساس بالمتعة أو بالرضا لدى البشر، والخير كمجد وشهرة والنجاح، وهناك تعريف ثالث للخير يقوم على الجدوى والمنفعة وما يعود بالفائدة على الإنسان. وكان جيرمي بنتهام قد عرّف المجدي على أنه ما يعود بالسعادة الكبيرة للعدد الأكبر" من الناس. من هذا المنطلق " يتفطن الإنسان بعد أن أمضى حياته في البحث عن الحقيقة أنه كان من الأفضل لو استغلها في فعل الخير" هنري برجسن. لكن كيف تجمع الأخلاق بين تحصيل السعادة والحياة الفاضلة؟
3- الأخلاق بين الفضيلة والسعادة:
السعادة لا تنتج عن اللذة بل إلى قبول الحادث باعتباره تعبيراً عن النظام. والخير هو الفضيلة وهي تعبير عن انسجام داخلي يتوحد مع انسجام العالم الكلي. وبالتالي ان السعادة نتيجة للفضيلة، والفضيلة كائن حي، فهي من حيث الماهية بالفكر تكون الرصانة العقلية والتروي والتحلي بالحكمة العملية.
ولكن في ربط مفهوم الخير والسعادة نتحدث عن أن الاتيقا حسب أرسطو " تعتبر الإيتيقا بالنسبة إليه معرفة متعلقة بالفعل, و ترتبط بالخير الأسمى الذي يمثل غاية كل فعل إنساني, والخير الأسمى هو السعادة, و هكذا فإن السعادة عند أرسطو تتمثل في فعل عقلي يتحدد في التأمل كنشاط عقلي, الذي يتماهى والفضيلة." وعند كانط نتحدث عن الأخلاق " يعتبر كانط أن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يقوم بالواجب من أجل الواجب ."قلنا أن الأخلاق تهدف الى الخير لذلك نحاول تحديد العلاقة بين الخير و السعادة.
هكذا تكون السعادة هي الخير الأقصى فليس يفضلها شيء آخر يمكن أن يناله الإنسان فكل ما عداها هو وسيلة لبلوغ السعادة. ومن الطبيعي أن تكون الغاية القصوى من التفلسف هي تحقيق السعادة. لكن عند الرواقيين السعادة ليست فردية ولا يمكن لها أن تكون كذلك بل هي جماعية، فالاجتماع الإنساني هو بحد ذاته موافق للطبيعة وهو صادر عن امتداد التعاطف إلى خارج نطاقها.
خاتمة نقدية:
تبدو السعادة في المعنى الأول هي الخير الأسمى والغاية المطلقة التي تطلب لذلتها وينال الإنسان من ورائها الرضا الروحي والغبطة السرمدية والنعيم الدنيوي، غير أن المجتمع الاستهلاكي في عصر العولمة قد جعل السعادة رهينة التمتع بحياة الوفرة والرفاه في معنى ثاني تتناقض مع الخير، وبالتالي ان ما يعتبر السعادة مثال أعلى، بالنسبة للنفعية، هو كونها مقصودة وفق إستراتيجيا جماعية و كونها ترتكز على الاعتقاد في التقدم التقني و الاقتصادي. ذلك أن تفاؤل الفلاسفة البراغماتيين جعلهم يربطون السعادة بتطور المعرفة والذكاء الإنساني والإقبال على الحياة والاهتمام بإشباع الرغبات والاعتناء بالجسد، وهو ما يؤكد أن السعادة هي أساسا مثال أعلى، فكرة، شيء علينا تحقيقه لا فقط بالنسبة للأفراد بل لكل الناس، و من هنا بالذات يحصل الانزلاق الذي يجعلنا نتحول من الإنسانية إلى النفعية كما تجلت عند بنتام وميل، ثم إلى المادية الصرفة و الفردانية التي غدت فيها السعادة اليوم مرادفة للرفاه.
فأن نعتبر الخير كمجموع الخيرات التي يمكن الحصول عليها، و أن يبحث كل فرد عن أكثر لذة و أقل عناء، هو أن نعتبر سعادة الفرد جزءا من الرفاهة العامة. ذلك أن النفعية تتحدث عن السعادة في المستوى الاجتماعي، وبالتالي السعادة لكل الناس رغم كونها تختزل الخير في النافع وبالتالي تتماهى السعادة مع الرفاه في المجتمعات الاستهلاكية. لكن الفردانية ليست فقط واقع ولكنها أيضا مثال أعلى، وإتباع حاجات الفرد كعنصر في المجتمع ليست فقط أمرا مقترحا بل يقدم كخير مطلق. فالمجتمع الاستهلاكي ليس فقط مادي، وذو نزعة مادية لأنه يكرس خطابا يسعى من خلاله لإقناع كلّ الأفراد، بل انه مثالي بطريقته، بما انه يقدم الرفاه كمثال أعلى، رفاه فردي ولكن رفاه فردي لكلّ الناس. وخطاب السوق هذا، ككل خطاب أيديولوجي، يزعم انه يقدم أجوبة لكل التساؤلات. وحول السؤال الذي قد يطرحه كلّ واحد منا: ما السعادة؟ يجيب يجتمع مجتمع السوق بدلا عنا. وإجابة المجتمع الاستهلاكي تقدم لنا مثالي السعادة كرفاه، وبهذه الكيفية يكون لكلّ الناس نفس مثالي السعادة. والمجتمع الاستهلاكي الذي يدفعنا للفردانية، يدفعنا جميعا كالقطيع، وهذا النوع من الفردانية ليس مرادفا بالضرورة للتسيير الذاتي وللحرية. أليس مذهب السعادة هو الذي يجعل الغبطة هي السعادة القصوى التي يشعر فيها المرء بالرضا الروحي ونعيم التأمل والنظر؟ فهل تحصيل السعادة أمرا ممكن ؟ وهل نطلبها من اجل ذاتها أم من اجل أشياء أخرى
كاتب فلسفي
samedi 4 mai 2019
النزعة الانسانوية وفنومينولوجيا الكلام بين سارتر ومرلوبونتي ، د. زهير الخويلدي
"إن الحرية في هذا النظام الصارم هي المعنى العميق والوجه الحقيقي للضرورة"1[1]
جان بول سارتر (1905-1980) هو مثقف نوعي من الطراز الأول عرفته الأوساط الباريسية في فرنسا وعواصم العالم العربي ومعظم البلدان الأوروبية والأمريكية والآسيوية التي زارها طوال القرن العشرين.
لقد جعل من أثره مسارا نضاليا وعكست مؤلفاته برمتها انخراطا مبكرا في المعارك السياسية والصراع الاجتماعي في عصره وظهر ذلك في معاداته للاستعمار وتبنيه نزعة اشتراكية نقدية وقيامه بتأسيس مجلة الأزمنة الحديثة صحبة سيمون دي بوفوار وألبرت كامو وإبرامه لصداقة وجودية مع موريس مرلوبونتي.
لقد أضفى سارتر على الوجودية طابعا إنسانويا ودافع بشراسة على الحرية من حيث هي قدر إنساني في أن يكون حرا ويتحمل مسؤولية ذلك ولقد جمع بين الفلسفة والأدب والمسرح والسياسة والالتزام الوجودي.
بدأ سارتر رحلته في الكتابة بإصدار كتيبات عن الخيال والمخيال في منتصف العقد الثلاثيني ولكنه جسم تأثره البالغ بكتاب مارتن هيدجر الوجود والزمان والأبحاث المنطقية لأودموند هوسرل في عام 1943 بإخراج كتاب مهم عنونه بالوجود والعدم ظل محل جدل وخلاف تأويلي إلى الآن وأردفه بجلسة مغلقة سنة 1944 ترجم فيها أفكاره الوجودية وفق أسلوب أدبي ثم ظهرت له دروب الحرية في ثلاثة أجزاء عام 1945 وفي نفس السنة ظهرت له رسالة الوجودية من حيث هي نزعة انسانوية وتابع اهتمامه بالسيرة الذاتية وألف عن كوميديا جنيت في عام 1952 وأبله العائلة وختم بكتاب نقد العقل الجدلي عام 1960.
بهذا المعنى يكون سارتر قد طور فلسفة وجودية فنومينولوجية تفكر في الوجود من خلال مفهوم الشرط الإنساني بعد القطع مع التصور الكلاسيكي للذات ورفض وجود طبيعة ثابتة تسبق فيها الماهية الوجود.
لقد انتبه سارتر إلى أن الانسانوية بالمعنى الكلاسيكي قد انتهت مع المآسي التي حدثت للنوع البشري أثناء الحربين العالميتين وبعد ظهور الفاشية والنازية والأنظمة السياسية الشمولية التي حكمت بالحديد والنار ومارست أبشع ضروب التنكيل والقمع باسم الاشتراكية والقومية والثورية والحرية والأمة والوحدة ولذلك سعى إلى استبدال انسانوية النوار والحداثة بانسانوية وجودية تنطلق من تنزيل الإنسان في واقعه الملموس وتدافع حقوقه بالمعنى المتعين في منزلة تاريخية ووضعية اجتماعية معلومة وتنتصر للحرية والمسؤولية.
لقد حكم على الإنسان أن يكون حرا وأن يدافع على حريته بحريته وذلك لأنه مشروع وجود وليس له طبيعة تحدد جوهره بشكل مسبق وإنما يعيش في التاريخ عبر مسار شاق من النضال من أجل تحقيق كيانه وتقرير مصيره حسب الاختيارات التي يريدها وذلك لأن المرء هو ما ينبغي أن يصير ما ليس كائنا الآن.
غير أن نقاشه العميق مع الماركسية ودفاعه المستميت على الفرد دفعه إلى تشييد أخلاق وجودية وفكر سياسي فريد وظهور خلافات حول التصورات والبرامج مع رفاقه وانخراطه في تجربة حزبية قصيرة.
فماهو موقف موريس مرلوبونتي من الالتزام الوجودي عند سارتر؟ وكيف دعم مشروعه الفنومينولوجي؟
اذا كان سارتر قد شيد فنومينولوجيا المخيال ووقع مفهوم البراكسيس الجماعي بتجديل العلاقة بين النظرية والممارسة وبالتقريب بين السياسة والأخلاق وبين الفلسفة والأدب فإن مرلوبونتي(1908-1961) قد بذل مجهودات كبيرة للانتصار إلى الحي والإقامة في العالم واستمعان التجربة البشرية ضمن فنومينولوجيا الإدراك الحسي وحاول القطع مع الهيمنة الألمانية على الفلسفة الفرنسية في نسختها الفنومينولوجية.
بدأ أستاذ الفلسفة بجامعة السوربون التأليف منذ سنة 1943 عندما اصدر بنية السلوك وفي عام 1945 كتابه العمدة فنومينولوجيا الإدراك الحسي وجعل من فلسفته تتجه نحو الجسد واللغة والعالم وتثمن دور المحسوس في المعرفة وتحاور مدارس علم النفس وتنغرس في التيار الفنومينولوجي المنحدر من هوسرل وتكون من أكثر الفلسفات تأثيرا في الفكر الفرنسي والفلسفة القارية في النصف الثاني من القرن العشرين.
لقد تجلى ذلك بوضوح بعد تأليفه سنة 1947 الانسانوية والرعب وبعد ذلك المعنى واللاّمعنى سنة 1948 وأضاف إلى مكتبته كل من تقريظ الفلسفة ومغامرات الجدلية والعين والروح عام 1953 وبلغ النضج الفكري في كتب المرئي واللاّمرئي سنة1964 و نثر العالم1969 وعالم الإحساس وعالم التعبير 2011.
لقد انعتق مرلوبونتي من طرح مسألة المعرفة بالشكل المتعارف عليه في المقاربات العلموية والمقاربات الوضعية والنظريات التفكيرية وأوجد لنفسه طريقا فنومينولوجيا من أعمال هوسرل جعله يكتفي بوصف الكيان في العالم والتعويل على التجربة البشرية في الحياة من خلال الجسد المعيش وفنومينولوجيا الكلام.
لقد ثار مرلوبونتي على الميتافيزيقا والديكارتية واستخدم مفهوم البيذاتية بغية إنتاج المعنى حول التاريخ وناقش مدارس علم النفس والسوسيولوجيا البراغماتية وانتصر إلى الفنومينولوجيا والقصدية والمنظورية.
الكلام ليس مجرد علامة على الفكر ولا يقيم علاقة خارجية بالتكفير في العالم وانما هو أحد أبعاد الوجود يفتح أبواب البحث ونوافذ الإدراك ومجال ظهور الذاتية وإضفاء المعنى على العالم من خلال شاشة الجسد البلاغية ، ولذلك فرق بين الكلام المتكلِم من حيث هو فعل ذاتي والكلام المتكلَم من حيث هو نسق رمزي.
لقد بحث عن سبل تحول علاقته بالجسد من الملكية إلى الوجود ومن الجسد المحمول إلى الجسد المعيش وذلك بالتنحي عن الموضوعي والالتقاء بالذاتي لأن حيازة الجسد تعني صلة بالوسط وربط علاقة بالعالم.
"في حقيقة الأمر هذا الصمت يضج بالكلام وهذه الحياة الباطنية لغة باطنية وليس الفكر الخالص إلا وعيا فارغا"2[2]، فهل أن تفكيره الفنومينولوجي في المؤسسات السياسية هو الذي قاده إلى الانسلاخ عن مجلة الأزمنة الحديثة وإنهاء صداقته مع سارتر؟ وكيف أدى التقريب بين ماركس من ماكيافيلي إلى القول بتاريخية الفلسفة وانتهاء الجدل وبداية التجربة اللغوية من حيث هو التجربة الفلسفية المركزية؟
د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي
...........................
الهوامش والإحالات:
[1] Sartre Jean Paul, situations, 1, édition Gallimard, Paris, 1947, p334.
[2] Merleau –ponty Maurice, phénoménologie de la perception, édition Gallimard, Paris, 1944,p214.
Inscription à :
Commentaires (Atom)