lundi 19 août 2019

توجيهات البيوإتيقا للانسان المعاصر، د زهير الخويلدي


“لقد غادرت فكرة تغير العالم والإنسانية الأرض الوحيدة لقصص الخيال العلمي لكي تصل شواطىء الواقع” 1
البيوإتيقا Bioéthiqueعنوان كتاب مهم للغاية لبرنار ماتيو Bernard Mathieu وهو أستاذ بجامعة باريس1 وينتمي الى مركز البحث في القانون الدستوري وقد صدر عن دار دالوز سنة 2009 ويندرج ضمن مبحث المعرفة القانونية ويتناول قضايا خلافية ومسائل معقدة واحراجات كثيرة  منها ما يتعلق بمنبع الحياة وطبيعة الطبيعة وخصوصية الفرد وعادات المجتمع ومستقبل النوع البشري في تطبيق النانوتكنولوجيا وتأثيرات التحاليل العيادية وعلم الصيدلة ومكاسب المقاربات الطبية والعلوم البيولوجية ومنها ما يتنزل ضمن السياسة والقانون والأخلاق والدين والقضاء والاقتصاد والبيئة.
كما أنه يتناول بالدرس تاريخية مفهوم البيوإتيقا وطبيعة النسق المعياري لما اصططلح على تسميته الأخلاق الحياتية وما يكونه من معايير دستورية وقيم كونية وتوجيهات عالمية ويبحث أيضا في شروط اختيار المعيار الحقوقي ومشروعية التنظيمات الحقوقية والأحكام القانونية. وأدى ذلك الى طرح بعض الأسئلة مثل: ماهي طبيعة الجنين البشري؟ وماهي التوازنات التي تحمي الفرد وتحقق مصلحة المجموعة؟ وهل يمثل النشاط العلمي تنمية للإنسان أم يجلب له العديد من المشاكل ويكاثر له عدة أمراض؟ والى مدى يحصل التقدم الاتيقي بالتقدم التقني؟ ومن يتخذ القرار في البيوإتيقا؟ وماهي الاجراءات الضرورية لتحسين النوع وبلوغ الحياة الجيدة؟
بعد ذلك ، ينتقل الى تحديد المبادىء المطبقة في مادة البيوإتيقا، ويدرس حضورها في سجل حقوق الإنسان ويركز خاصة على مبدأ الكرامة dignité الذي يعتبره مبدءا موضوعيا لا يمكن الخروج عنه. غير أن المبدأ الأساسي الذي يفتنه ويخصص له عدد أكبر من الصفحات هو مبدأ الحرية liberté ولذلك ربطه بحرية البحث العلمي واعتبره حقا جوهريا لا ينبغي المساس به أو التضييق عليه ومصادرته ولكنه يشترط وضعه ضمن أطر ومؤسسات وأن يمارسه الباحث بشكل منظم.
علاوة على الكرامة والحرية،فإن  الباحث يهتم بمبدأ الموافقة consentement من جهة تعبيراته وحقل تطبيقه ويدعو الى احترام الحياة الخاصة respect de la vie privée للمرء، وينادي بعدم التدخل في شؤونه الشخصية وهتك أعراضه وإفشاء أسراره، ويرفض التجسس على المسكوت من حياته اليومية، وينصح من جهة رابعة بتوخي الحذر واعتماد مبدأ الاحتياط précaution في بحثه عن العيش الجيد والوجود الأرقى والبحث عن الخلود بقهر التهرم.
في نهاية المطاف، يخصص الكاتب القسم الثالث لطرح مجموعة من التساؤلات البيوإتيقية حول الانساخ المنتخب Sélectionné ، وما يتطلب ذلك من ذكر لإنتخاب الكائنات البشرية عن طريق تجارب الاستنساخ وتصنيع الذكاء والتعقيم لمقاومة الأمراض المستعصية واستعمال الجراثيم والبكتيريات وتحسين الأمل في البقاء والتحكم في الجينات الوراثية والروائز الجنية وما يخلف ذلك من تمييز بين الكائنات ومت بطيء وإنهاء للحياة عن طريق الانتحار الرحيم.
لكن الى جانب الانسان المنتخب تطرق الكاتب الى الانسان المصنع Instrumentalisé وما يتطلب ذلك من بحث في علم الأجنة وإجراء تجارب التخصيب الاصطناعي وطفل الأنبوب والرحم البديل والأم المنجبة والتبرع بالأعضاء عند الوفاة من الجثة الهامدة وزرع الأعضاء في جسد شخص حي. مجمل القول، أن توجيهات البيوإتيقا الى الإنسان المعاصر تحوم حول رسم حدود الانسانية وتسعى نحو التنبيه من خطر وضعنة الإنسان وتشييئه وتعترض على ظهور الانسان الغامض banalisé جراء التلاعب به في مخابر العلوم البيولوجية  وتدعو الى استبدال الإصلاح بالبدء الجديد والانتقال من الإنسان المعدل réparé  الى الإنسان معاد التكوينrécrée.
يختم الباحث كتابه بقوله:” ان الأمر هنا لا يتعلق بتجاهل مكاسب العلم، وإهمال التقدم المحرز في مجال اراحة الانسانية من المعاناة ، ونسيان التفاني والإيثار عند معظم رجال العلم، ولكن ببساطة تذكر أن العلم في حد ذاته لا يحمل أية قيمة” 2. فماهي الاستراتيجية التي ينبغي أن تتوخاها البيوإتيقا من أجل انجاز هذه الرسالة النبيلة؟ وكيف السبيل الى تحقيق خلاص الانسان من مساوىء التقدم العلمي الهائل والانعكاسات الخطيرة التي ترتبت عن الثورة التقنية والرقمية؟
الهوامش:
1- - Bernard Mathieu, la Bioéthique, éditions Dalloz, Paris, 2009,p.5.
2-  - Bernard Mathieu, la Bioéthique, op.cit.p.128.
المرجع:
Bernard Mathieu, la Bioéthique, éditions Dalloz, Paris, 2009
كاتب فلسفي


صدور كتاب تطبيقات فلسفية للفيلسوف التونسي د زهير الخويلدي



" تسمح الفلسفة التطبيقية للمرء بأن يفكر بنفسه وأن يوضح علاقته بالعالم ويستخرج معنى الوجود ويفهم الوضع البشري عبر شبكة من القواعد والقيم التي تخاطب عقل الجمهور وتنظم الفضاء العمومي "
صدر عن دار نور بألمانيا بتاريخ 10-01-2019 كتاب طريف بعنوان "تطبيقات فلسفية ، عينات ميدانية من فلسفة جمهورية"، وهو مولود جديد يُضَافُ للمكتبة الفكرية التي ألفها الفيلسوف التونسي زهير الخويلدي، ربط فيه بين الفلسفة والحياة وبين المعرفة النظرية والتطبيق العملي وبين الحقيقة الموضوعية والمنفعة الذاتية وراوح فيه بين النقد الجذري والتخطيط الاستراتيجي وبين الإصغاء الشعري للحكمة العملية والإنصات للضمير الإنساني وتوغل عبره نحو تخوم الحضارة الغربية وجذور الثقافة الإسلامية.
تبدو الفلسفة محبة، الفيلسوف مسافر، التفلسف تجاوز، الحقيقة الفلسفية حدث: اذ "ليس التفلسف الأصيل مجرد القيام بإطلالة على تاريخ الفلسفة ولا تقديم ورقة نظرية في الفلسفة العامة بل إجراء التفكير بصورة شخصية وممارسة النقد الذاتي بالاعتماد على المنهجية العلمية وعن طريق العودة إلى الحياة اليومية والاتصال بالناس والتعرف على مشاكلهم وملامسة اهتماماتهم وإدراك مطالبهم وتجميع تساؤلاتهم وانجاز ورقات بحثية في الفلسفة التطبيقية وانتقاء عينات عملية من مجموع الواقع الاجتماعي وذلك من خلال إعداد بحوث ميدانية حول بعض الملفات المستجدة في عالم الحياة باختيار عدة قضايا غير مطروقة سابقا وفرز طرق تشخيص مبتكرة ومنهجية عمل للبحث وتطبيقها عليه والقيام باستنتاجات عمومية".
والحق أن التنوير العمومي هو الهاجس الأبرز للكاتب الفلسفي والتغيير الاجتماعي هو البوصلة التاريخية والمنعطف السردي هو الوسيلة والتأسيس الإيتيقي هو المعول القيمي وإنتاج المعنى هو المضاد للعدمية.
لقد ضم الكتاب مقدمة وخاتمة وأربع وعشرون فصلا بالتمام والكمال في 266 صفحة تطرق فيها الدكتور إلى عدد كبير من القضايا التي تشغل الناس وقدم فيها جملة من التوصيفات المستفزة وجرى فيها عدد من العمليات العميقة وجلب خلالها الكثير من المناهج المعاصرة بغية تشريح الذات العربية ومعالجة أسقامها.
الفلسفة التطبيقية هي الاختصاص الفلسفي الذي يهتم بالأفعال والأنشطة التي يقوم بها الناس وتتضمن الفلسفة الأخلاقية والفلسفة السياسية ولكنها أصبحت الآن تضم فلسفة الحق وفلسفة الاقتصاد والتقنية وتشير إلى الممارسات الجديدة للفلسفة التي تشمل ميادين البيئة والمهنة والحياة والطب والصيدلة والصورة ...
لقد أعاد الأستاذ الفلسفة إلى حاضنتها الشعبية وعقد العزم على اجراء حوار استثنائي بين الفكر والجمهور وإبرام اتفاق بين الفيلسوف والمدينة واتجه نحو مقاومة التصحر والهمجية والتوحش وزرع الأمل والثقة.
لقد أراد من الفلسفة أن تكون دروب مضاءة بالعقل والحكمة ومسارات نحو تحقيق الكينونة واعتمد على الحرية والالتزام والتحضر والإبداع من حيث مسالك إيتيقية نحو بلورة عقلانية فلسفية تطبيقية تقوم بتدبير الاختلاف وتعمل على فض النزاعات سلمي وتستثمر الإيتيقا الطبية ضمن أنثربولوجيا ما بعد كلونيالية. اللافت أن النظرية الفلسفية التي يدافع عنها في الفضاء العمومي تتكون من الديمقراطية الجذرية والسياسة الحيوية والهوية السردية والتنوير العقلاني والثورة الثقافية والاقتصاد التضامني والكتلة التاريخية والدين المدني. لقد راهن الفيلسوف على سلاح الفهم السليم والذاكرة المتصالحة مع ذاتها والرأسمال الافتراضي من أجل الصعود بمسار التدبير الإنسي نحو التعقل الكوني والتأليف بين الرغبة في الوجود وإرادة الحياة المشتركة. فهل يمكن أن تكون الفلسفة التطبيقية هي الأرضية العملية للبناء الأنثربولوجي للفكر المواطني؟

الرابط:
كاتب فلسفي