mardi 9 avril 2019

الأخلاق بين الخير والسعادة اعداد زهير الخويلدي



تمهيد
عديدة هي الإحراجات والمشاكل العملية التي تطرحها المسائل النظرية سواء في مستوى الممارسة العلمية التي تمثلها النمذجة النسقية وما تفتح عليه نجاعة ومردودية وما تسببه من تهميش لمطلب الحقيقة كقيمة معرفية ومن توريط العلم في علاقات مشبوهة بين المعرفة والسلطة وبين الاقتصاد والسياسة  وبين الإيديولوجيا والابستيمولوجيا، أو في السياق الاقتصادي وما توفره ظاهرة العمل من تقسيم وتقنية وتصنيع للموارد الطبيعة وما تفتح عليه من إنتاجية ونجاعة وما تؤدي إليه من تفاوت ولامساواة وأشكال الاغتراب ولاستغلال، أو حتى في المسالة السياسية وما تفتح عليه من اغتراب سياسي و من فساد يجعل المواطنة مجرد فكرة صورية أو مثال أعلى يُشرَّع له قانونيا، في مقابل ممارسة سياسية تحول المواطن إلى مستهلك و تجعل الدولة تستبد بالسيادة فتقضي على المواطنة كما السيادة في واقع العولمة الموجهة من قبل القوى الامبريالية في العالم.
كل هذه المصاعب هي بمثابة ورطات ووضعيات حدية تجعل الفلسفة الأخلاقية في زمن العولمة ضرورة وجودية إذا ما رام الإنسان الحفاظ على إنسانيته وتحقيق كونية أصيلة تصالح بينه و ذاته والآخر والعالم في فضاء مشترك شهد تسارع نسق التواصل الذي كشف هو الآخر عن احتياجه إلى إتيقا تصالحية ترتقي بالمرء من مجرد كائن اتصالي إلى أن يكون كائن تواصلي بامتياز.
من البين اذن أهمية الأخلاق في المجتمع البشري اذ يؤدي فقدان الأخلاق الطيبة إلى الأمراض الجسدية والنفسية واعتلال الصحة وتسارع الهرم والشيخوخة وانهيار الأعصاب وعدم الصبر والتحمل؛ والإنسان إنما استحق لقب الإنسان بما يحمله من خلق يعبر به عن إنسانيته وإذا تجرد عن الأخلاق فهو حيوان كاسر.
إن مصائب الإنسانية ومشاكلها تتضاعف عندما يخسر بني البشر معركة القيم والغايات وتسيطر النجاعة والمصلحة  وبالتالي كلما ازدادت الأخلاق الفاضلة لدى النوع البشري تناقضت آلامه ومصاعبه، وكلما تناقصت هذه الأخلاق ازدادت آلامه فيسبب ذلك انحطاط المجتمعات البشرية فتحدث المآسي والصراعات والحروب والاغتيالات الدموية، والدمار والعنف والإرهاب والغضب والاعتداء والتفرقة، والأمراض النفسية والروحية.
على هذا النحو تبدو فضائل الأخلاق من الأركان الأساسية لسعادة البشر وتكامله المادي ورقيه المعنوي. لكن ما نلاحظه أن الإنسان العادي السوي ينشد الخير وينفر من الشر وهذا أمر عادي ومعروف ولكن الموضوع سيصبح إشكاليا لو طرح السؤال متى يكون الفعل خيرا؟ ومتى يكون شرا؟ هل ما كان خيرا سيظل كذلك ؟ أم أن ما هو خير اليوم يمكن إن يصبح شرا غدا؟
من البديهي أن الإنسان مدني واجتماعي بالطبع وأنه يحتاج إلى الأخلاق الفاضلة والاهتداء بنور القيم وتوجيهية المعايير لأن تدنيس المقدسات والرضا بحالة الفراغ والعدمية يؤدي إلى الضياع والحيرة والظلال في العالم والتصادم مع الآخر والإساءة إلى الذات والى الطبيعة .
إن الوجود اليومي للإنسان يعلن الحاجة الملحة لاستعادة الفلسفة الأكسيولوجية، وقد نتج عن ذلك ازدياد الطلب على الأخلاق بشكل متزايدا خاصة في ظل غيابها في ساحة المجتمع, ولكن ماذا نعني بالأخلاق؟ وماذا المقصود بالإتيقا؟ وما العلاقة بينهما؟ ومن يستوجب الآخر؟
الأخلاق والإتيقا:
بادئ ذو بدء ينبغي أن نبين أن مفهوما الأخلاق والإتيقا متداخلان إلى حد كبير وقد يعنيان نفس الشيء وهما متماثلان في الفلسفة القديمة والحديثة ولكن بداية من الفلسفة المعاصرة وجدت العديد من المبررات التي تستوجب الفصل بينهما وظهرت عدة أنماط من التفلسف الأكسيولوجي التي تحاول رسم الحدود الفاصلة بينهما.
إن كلمة إيتيقا Ethique الفرنسية من أصل يوناني، وتعني البحث عن نسق من المبادئ يهدف إلى وجود  بشري خير وسعيد, في حين أن كلمة أخلاق Morale الفرنسية من أصل لاتيني، و تتحدد كنظرية في الإلزام، نظرية في القانون والواجب الأخلاقي باعتباره قانونا لامشروطا وكونيا. و يجب أن نلاحظ أن الإتيقا تشهد اليوم أكثر حظوة في مقابل احتشام الاهتمام بالأخلاق. والإتيقا اليوم تفيد عموما النظرية العقلانية حول الفعل و الحياة الخيرة وبالتالي تتمثل في دراسة مشاكل القيم التي تطرحها مسائل المحيط (إتيقا المحيط) والممارسات الطبية (البيوايتيقا)... ذلك أن القانون الأخلاقي و الـجبر الأخلاقي يشهد اليوم تراجعا أمام الحياة الخيرة. و من هذا المنطلق يبدو من المشروع بالنسبة إلينا أن نطرح المشكل الإتيقي الذي يتعلق بالخير و السعادة و إذا كان الخير الأسمى هو المطلب الأساسي في الفعل الأخلاقي , ففيما يتمثّل هذا الخير الأسمى؟ هل يتمثل في الخضوع لأوامر الواجب أم في تحقيق السعادة ؟ أليس الإقرار بأن السعادة هي الخير الأسمى هو نفي لصفة الأسمى على الخير مثلما بيّن ذلك كانط؟ ألا تمثّل نسبية السعادة حاجزا يعوق توحّدها مع الخير الأسمى و بالتالي تقضي بضرورة الفصل بين الخير و السعادة و بين الأخلاقية و السعادة على أساس لا تحدد السعادة؟ و بهذا المعنى ألا يكون الخير الأسمى باعتباره الأخلاقية شرط السعادة دون أن يتماهى معها ؟ ثم كيف نعرف ما هو خير، هل يتعلق الأمر بالخيرات أي بما يريد الفرد تحقيقه لذاته آو حتى ليتقاسمه مع الآخرين؟ أم هل يتعلق الأمر بخير فعل ما سنفعل, وهو ما يحدد الفضيلة عند الرواقيين؟ أم هل يتعلق بمثال الخير، الخير في ذاته باعتباره الغاية القصوى لكل فعل ممكن مثلما ذهب إلى ذلك أفلاطون؟ و كيف يمكن أن نحدد الخير خارج علاقته بالسعادة؟ ثم قبل ذلك ما هو مصدر القيم الأخلاقية، هل هي واردة من أفق متعال أم أن الإنسان واضعها ؟
ان القيم الأخلاقية، من الزاوية المنطقية، يمكن أن تكون صادرة إما عن كائن متعال وهو موقف شائع تربط فيه الأخلاق بالدين، موقف بينت المقاربات الموضوعية تهافته، وإما الإنسان وهو الأصل الذي يعترف به الفلاسفة و المفكرين. غير أن المفكرين والفلاسفة وإن اتفقوا على كون مصدر الأخلاق هو الإنسان فقد اختلفت رؤاهم فمنهم من اعتبره الإنسان كعقل ومنهم من اعتبره الإنسان كرغبة ومنهم من اعتبره الإنسان كمجتمع.
2-  الأخلاق بين الإلزام والحرية
"لا يشعر كائن ما بأنه ملزم  بشيء ما إلا إذا كان حرا وكل إلزام إذا ما اعتبر في ذاته يفترض الحرية" هنري برجسن
الإلزامobligation  هو الرابطة الحقوقية التي بها يكون فعل الشيء أو عدم فعله واجبا على الشخص تجاه الآخر، فهو إذن علاقة حقوقية بين شخصين يسمى بموجبها الأول دائنا والآخر مدينا.
والإلزام الأخلاقي لا ينشأ عن عقد وإنما عن طبيعة الإنسان من حيث هو قادر على الاختيار بين الخير والشر. فما كان فعله أو عدم فعله ممكنا من الناحية المادية. ثم وجب حكمه من الناحية الخلقية كان إلزاميا، بمعنى أن الشخص لا يستطيع أن يتهاون في فعله أو عدم فعله من دون أن يعرض نفسه للخطأ واللوم.  في هذا الاطار يقول كانط:"لا يوجد سوى أمر قطعي واحد وهو: افعل دائما وفق القاعدة التي يمكنك أن تريد أن تجعل منها قانونا كليا" .
ان الواجب Devoir هو الإلزام الأخلاقي الذي يؤدي تركه الى مفسدة ومن أهم مميزاته أنه جماعي لأنه يفرض عموما على جميع أفراد المجتمع ، وانه ملزم لصاحبه ومتعال على الأفراد لأن مصدره هو المجتمع والدين والأخلاق الموروثة...ويدعم نيوتن الأخلاق هذه الفكرة بقوله: " الواجب مادة الإلزام" و" إذا وجب عليك فأنت إذن تستطيع".
يطلق الواجب في فلسفة كانط على الأمر المطلق الذي يتقيد به المرء لذاته لا طمعا في شيء من الأشياء أو خشية منه. ولقد ميز كانط بين الأوامر الشرطية التي توجب القيام بفعل من الأفعال وسيلة لأجل بلوغ غاية معينة (مثلا لا تغش حتى لا تخسر زبائنك أو كن معتدلا حتى تحافظ على صحتك) والأوامر المطلقة أو القطعية وهي التي توجب القيام بشيء ما لا كشرط للفوز بمنفعة ما أو تجنبا لمضرة معينة وإنما لأن الواجب يقتضي ذلك ' مثلا كن عادلا وكن نزيها).
إن السلوك الأخلاقي الحقيقي هو الذي يقوم على الأوامر المطلقة لا على الأوامر الشرطية التي هي من حيث مظهرها الخارجي موافقة للأخلاق  لا غير وتكون مصدرها المجتمع والدين وكل ما يردع الإنسان أو يحفزه بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد.
الواجب قد يكون سبيل لتحصيل السعادة ولذلك "قد يتمثل الواجب بوجه ما في العناية بسعادتنا" حسب كانط، في حين أن " أفضل طريقة لنشر السعادة بين الناس هي أن تدلهم إلى واجباتهم" روسو
" ليست سعادة  الإنسان في الحرية وإنما في التعهد ببعض الواجبات" اندريه جيد
يريد كانط أن يحدد المبدأ الأساسي لكل فعل أخلاقي أي المبدأ الصوري الذي تستمد منه القواعد الأخلاقية, فهو إذن على خلاف الفلاسفة لا يقدم نسقا أخلاقيا يضبط فيه الواجبات الأخلاقية وإنما يبحث في المبدأ الأساسي لكل فعل أخلاقي, لذلك يطرح كانط سؤال يتعلق بالمفهوم المركزي الذي تدور حوله الأخلاق ليجيب بأن الواجب هو هذا المفهوم, فالواجب عند كانط هو جوهر التجربة الأخلاقية. والواجب يمثل الجبر الأخلاقي في ذاته بقطع النظر عن تطبيقاته وعلى هذا الأساس يتحول سؤال ما هو مصدر الأخلاق؟ مع كانط إلى ما هو مصدر الواجب؟
الواجب كمفهوم يتسم بالكونية والضرورة لا يمكن أن يكون حسب كانط نتيجة للتجربة والخبرة ذلك أن الكونية والضرورة هي ميزات ما هو قبلي فالواجب عند كانط هو إذن مفهوم قبلي. كمفهوم قبلي لا يمكن أن يكون الواجب صادرا إلا على العقل، لذلك يميز كانط بين الأمر الشرطي والأمر القطعي, فالأول هو أمر يربط بين الفعل والمنفعة التي تتحقق منه وهذا يعني أن الفعل وفق الأمر الشرطي لا يكون ضروريا بصفة محضة فهو ضروري لتحقيق غاية ولذلك لا يعبر الأمر الشرطي عن الواجب باعتباره كوني وضروري. فالواجب ككوني وضروري لا يمكن أن يكون إلا أمرا قطعيا يأمر دون شرط فهو يضبط الإرادة بالقانون وهذا يعني أن الأمر القطعي وحده يمثل قاعدة أخلاقية بالنسبة لكانط.
أما في المنظور السوسيولوجي فإن مصدر الواجب والأخلاق هو المجتمع، إذ ينفي دوركهايم أن يكون الواجب صادرا عن العقل أو عن الدين, فمن هذا المنظور تجد الأخلاق مصدرها في المجتمع. وتناول دوركهايم للمسألة الأخلاقية يجد منطلقه في تحليل الضمير باعتباره ملكة الحكم القيمي على أفعالنا, فالضمير يمثل صوت الواجب ويعبر عن الخاصيتين الأساسيتين للواجب:
- كون الواجب خارج عن الفرد والدليل على ذلك أن الواجب لا يتطابق في كل الحالات مع طبيعة الفرد ومزاجه.
 - القهر والإلزام ( ضد كانط لأنه يفصل بين الواجب والعقاب فالقيام بالواجب لتجنب العقاب هو خضوع لأمر شرط في حين أن الواجب أمر قطعي) وهذه الميزة تظهر فينا بتأنيب الضمير عندما لا نخضع للواجب وتأنيب المحيطين بنا. ويجب أن نلاحظ أن صفة القهر والإلزام هي في الحقيقة صفة ملازمة لكل الظواهر الاجتماعية بالنسبة لدوركهايم.
الواجب بما هو خارج عن الفرد وبما هو متميز بالقهر يجد مصدره في المجتمع, فالمجتمع هو الذي وضعه فينا بالتربية والتنشئة. وهكذا يرجع دوركهايم الأخلاق كظاهرة اجتماعية إلى الضمير الجمعي وتتحدد في نهاية الأمر باعتبارها وظيفة في المجتمع , فالأخلاق تقوم بوظيفة خلق التماسك والوحدة الاجتماعية لذلك يحدد دوركهايم الخير باعتباره الأخلاق وقد تمثلت شيئا حسنا والمجتمع هو الخير باعتبار أن المجتمع حقيقة أثرى من حقيقة الفرد, إذ بالاجتماع يحقق الإنسان إنسانيته.
لكن إذا كان كانط أسس أخلاق صورية قال عنها هيجل أنها غير صالحة ولا تجعل الفعل ممكنا فإن دوركهايم قد أهمل- عندما حدد مصدر الواجب باعتباره المجتمع-التفاعل بين الوعي الفردي والوعي الاجتماعي إذ تبين لنا التجربة أن الفرد، و في كثير من الحالات، هو الذي يبادر بإرساء قيم تصبح عامة بموجب التكرار والتعود.
إن الأنساق الأخلاقية السابقة لكانط ترى في السعادة غاية كل فعل إنساني، فهي الخير الأسمى لذلك تسمى أخلاق أودونية. في حين يعتبر كانط أن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يقوم بالواجب من أجل الواجب .فهل يعني ذلك أن القيام بالفعل من أجل تحقيق السعادة هو فعل لا أخلاقي؟
يلاحظ كانط أن السعادة بما هي حالة كمال هي مفهوم غامض لأنه يرتبط بالتجربة فالسعادة عنده هي مثل أعلى لا للعقل بل للتخيل يقوم على مبادئ خبرية فحسب. فالسعادة إذن، ليست مفهوما عقليا وترتبط برغد العيش، لذلك لا يمكن تحديدها, فرغد العيش يختلف من شخص إلى آخر بحسب خبرته وميولا ته لذاك يرى كانط أن السعادة ليست من مجال الأخلاق, فمجال الأخلاق هو مجال ما هو عقلي, كوني وضروري أي واجب. ومجال السعادة حسب كانط هو الدين لأن السعادة هي موضوع أمل و من حق الإنسان ككائن رغبة أن يأمل في أن يكون سعيدا دون أن يناقض ذلك الواجب. فما هو أولي بالنسبة لكانط هو الأخلاق الكونية ولا يهدف أي فعل في المجال العملي إلا إلى تحقيق الفضيلة باعتبارها طاعة الأمر القطعي. لكن ذلك لا يمنع من أن تكون مقولات العقل العملي مقبولة في حقل الأخلاق وهو ما يضفي مشروعية على البحث عن السعادة. يقول كانط: «الأخلاق ليست إذن نظرية تعلمنا كيف يجب أن نكون سعداء ولكن تعلمنا كيف يجب أن نكون جديرين بالسعادة, ذلك أننا لا نأمل في تحقيق السعادة إلا بتدخل الدين». وهكذا يكون البحث عن السعادة عند كانط أمرا مشروعا وواجبا في معنى ما بما أن التعاسة ليست ظرفا مناسبا للقيام بالواجب. السعادة كموضوع أمل بالنسبة لكانط لا تتحقق في الأرض و تبقى موضوع أمل مشروع ليس إلا. و هكذا يرتبط كانط الحرية بالعقل، فالإرادة الخيرة هي التي تخضع لإرادة القانون العقلاني والكوني أما الإرادة التي تخضع للرغبات الحسية فهي إرادة مرضية بالمعنى الكانطي أي لا تخرج عن تأثير الحواس, فالحرية والعقل لا ينفصلان عند كانط الذي يقول : "الحرية هي خاصية إرادة كل كائن عاقل"، وبالتالي لا تكون السعادة بالنسبة لكانط شأنا سياسيا. لكن  قد يسبب مبدأ الواجب العديد من الإحراجات وقد يتحول إلى عائق أمام التقدم ويمنع الناس من التمتع بحرياتهم وحقوقهم ومن الاقبال على الحياة ويكرس القسر والخضوع والتبعية.
"الواجب الأخلاقي هو ما يناقض الطبيعة" شوبنهاور
ان القيام بالواجب أهون من معرفته ولكن لا توجد في الواجب أية صعوبة عدا تحقيقه، كما أن لكل شخص واجبات تجاه المجتمع لكن ليس لأحد أي حق من الحقوق.
"الواجب آه لا أقدر على تحمل هذا اللفظ اللعين" ايبسن
" الأمر الأخلاقي المطلق تشتم منه رائحة القساوة" نيتشه
" يوجد فرق شاسع بين من يتصرف وفقا لقواعد أخلاق اليقين والاعتقاد الراسخ وموقف من يتصرف وفقا لأخلاق المسؤولية." ماكس فيبر
الأخلاق الحق عنده تتجاوز حقل الواجب لأن الواجب هو تقنين السلوك الموجه ضد الحياة. فالإنسان عند نيتشه هو قبل كل شيء إرادة القوة لذلك يسعى إلى تفسير نشأة الأخلاق المثالية جينيالوجيا بإرجاعها إلى أصلها لكن إذا كانت الأخلاق صادرة عن إرادة القوة فكيف تكون أخلاق الفلاسفة المثاليين موجهة ضد الحياة؟
إن إرادة القوة عند نيتشه منشطرة إلى إرادة حياة وإرادة عدم وهذا الانشطار ناتج عن دينامية الرغبة ذاتها بما هي ماهية الإنسان, فالرغبة كرغبة تسعى إلى الإشباع وبالتالي تفتح على اللذة فتتحدد باعتبارها إرادة حياة، فالإشباع هو تمجيد للحياة و إقرار لها، و لكن أيضا، الرغبة كرغبة تبحث عن الإشباع تنفي موضوعها و بالتالى تفتح على الموت فتتحدد كإرادة عدم.
إرادة القوة عندما تكون في أوجها وصاعدة تناشد الحياة وتمجدها لأنها قادرة على فرض سلطانها وقوتها لكن بما أن كل قوة مآلها الضعف و بالتالي الانحطاط فان إرادة القوة الواهنة تنتج القيم والأخلاق, أخلاق الشفقة كحيلة للمحافظة على بقائها فتنقد اللذة والرغبة وتحاصرها ومن هنا تظهر حسب نيتشه نقمتها على الحياة, هذا يعني أن نيتشه يرجع كل وجود إما إلى القوة وإما إلى الضعف والضعف هو مصدر أخلاق الشفقة لذلك ينظر نيتشه لأخلاق الأقوياء, الأخلاق التي تقوم على القوة وإرادة الحياة، ذلك أن أخلاق الشفقة تمنع الإنسان من بلوغ أعلى درجات القوة و البهجة و بالتالي السعادة.
و هكذا نتبيّن اتفاق كل المقاربات الفلسفية حول اعتبار القيم جوهرية وأولية في الأخلاق, فحتى المقاربة الجينيالوجية التي طرحت قيمة القيمة ونقدت القيم انتهت إلى وضع القوة كقيمة. والفعل الأخلاقي عند الفلاسفة هو الفعل الذي يتطابق مع مبادئ الخير. لكن فيما يتمثل هذا الخير؟ في الواجب أم في السعادة؟ وما هي طبيعة العلاقة بين الخير والواجب والسعادة؟
3- الأخلاق بين الخير والمنفعة:
الخير عموما هو أن يجد كل شيء كمالاته اللائقة به بينما الشر هو فقدان ذلك. ومفهوم الخير هو الأساس الذي تبنى عليه مفاهيم الأخلاق كلها لأنه القياس الذي نحكم به على قيمة أفعالنا في الماضي والحاضر والمستقبل.
يقول ابن سينا:"الخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء ويتم به وجوده...وقد يقال أيضا خيرا لما كان نافعا ومفيدا لكمالات الأشياء"
الخير الأسمى المطلق هو الذي يكون مرغوبا فيه من قبل كل إنسان بينما الخير النسبي هو الذي يكون خيرا عند بعضهم وشرا عند بعضهم الآخر.
يقول ديكارت:" الخير الأسمى هو بالتأكيد الشيء الذي نضعه هدفا لكل أعمالنا والانبساط الروحي المتولد عنه والذي نسعى إليه هو غايتنا"
وينقسم الخير عند كانط إلى خير طبيعي محسوس وخير خلقي معقول وهذا الأخير هو الخير الأعظم والأسمى ويعنى عند بعض الفلاسفة الوجود الذي ليس لذاته حد ولا لكماله نهاية لأنه خير لذاته وبذاته.
"يبدأ تاريخ الطبيعة بالخير لأنها من صنع الإله ويبدأ تاريخ الحرية بالشر لأنها من صنع الإنسان" كانط
"كل الأشياء حسنة إبان خروجها من يد البارئ وتفسد كلها بانتقالها إلى يد الإنسان" روسو
" لقد منح الله الإنسان الحرية لكي يفعل الخير والضمير لكي يريده والعقل لكي يختاره" روسو
الخير هو شيء أو حالة مرغوبة، ممتعة، أو ما يُعتبر من الناحية الأخلاقية أفضل من شيء آخر أو من حالة أخرى. والخير هو نقيض الشر أيضا. يُعرف الشيء الخيّر أو حالة الخير دائما بشكل نسبي لأشياء أو لحالات أخرى، وتعريفه هو دائما شخصي ذاتي متعلق بسياق الزمان والمكان والعلاقات بين البشر. مثلا: هناك من الناس من يعرّف الزواج على أنه خير، لكن هؤلاء الناس أنفسهم يعرّفون الزواج على أنه شر إذا كانت أعمار المتزوجين أقل من عُمر معين، أو إذا كان أحد المتزوجين متزوجا من شخص آخر أثناء الزواج، أو إذا لم يُعقد حفل الزواج بالطريقة المفضلة بالنسبة لهم.
الخير كشيء ممتع:
هناك تعريف آخر للخير تجده عند الأبيقوريين وينص على أن الخير هو ما يثير الإحساس بالمتعة أو بالرضا لدى البشر، أو انه مرغوب لدى الكثيرين بسبب الاعتقاد بأنه قد يثير مثل هذه الأحاسيس. وبموجب هذا التعريف فإن الخير هو الممتع. وهنا أيضا تعتمد محاولة تحديد نقطة مطلقة للخير (ولنقيضه، الشر) على الفرضية بأن تعريفات الممتع أو المُرضي مشتركة بين بني البشر وأنها تكون مطلقة في ظروف معينة.
المشكلة الأساسية في هذا التعريف هي أنه من الصعب تعريف الممتع أو المُرضي بشكل مطلق، لأن أي تعريف من هذا النوع يظل مرتبطا بالظروف دائما. هكذا مثلا تجد ان مقولة ان الطعام خير لأن تناوله يمتع غالبية البشر ليست صحيحة بالنسبة لتلك الشريحة من البشرية التي أنهت للتو تناول وجبة طعامها، وبالنسبة لأولئك الذين يخضعون لبرنامج تنحيف، او بالنسبة لجميع الذين لا يتفقون مع ما يُعرّف على أنه "طعام جيد" في نظر الذين عرفوه بهذا الشكل أصلا. بالإضافة إلى ذلك لا يشتمل تعريف الخير على أنه ممتع على نظام تفسير ما يوضح لماذا يكون الممتع خيرا، باستثناء تفسير دائري على غرار: الممتع هو خير لأن ما هو خير يكون ممتعا.
الخير كمجد
هناك تعريف ثالث للخير يقوم على الجدوى: يُعرف الخير بأنه يعود بالفائدة. وكان جيرمي بنتهام قد عرّف المجدي على أنه ما يعود بالسعادة الكبيرة للعدد الأكبر" من الناس. ورأى بنتهام أنه يمكن بناء معادلة حسابية تحدد ما هو مدى السعادة التي يحققها كل عمل، وبناء عليه يمكن تحديد مدى الخير الأخلاقي (أو الفائدة) الكامن فيه.
يقوم هذا التعريف للخير على عدة فرضيات. الأولى هي أن المعرفة ما هو الشيء الذي يعود بالسعادة الأكبر على أكبر عدد من الناس تكمن لدى شخص ما بشكل غير ذاتي. أي أن هذه المعرفة ليست المعرفة الذاتية، والجزئية الخاصة بشخص معين، بل هي معرفة موضوعية فوق بشرية. هذا الادعاء مساو في قيمته للادعاء القائل إن لدى بعض الناس القدرة على اكتساب المعرفة الإلهية، وأنهم يحققون هذه القدرة. وكما بالنسبة للادعاء الديني، هنا أيضا، بالنسبة لمن لا يعترف بأن لدى بعض الناس قدرة على كسب المعرفة الإلهية، لا تجد للتعريف أي معنى.
هناك فرضية مرافقة للفرضية الأولى وهي أنه ليس فقط أن لدى بعض الناس طريقة لكسب المعرفة الإلهية، بل إنهم مزودون بقدرة إلهية على تحقيق هذه المعرفة بحيث يؤدي تعريفهم للخير والشر إلى تحقيق كمية السعادة الأكبر بالنسبة للعدد الأكبر من الناس. الشهادات التي أوجدها دعاة الجدوى لمسار التحقيق هذا لا تزال قليلة.
الخير كخيار شخصي في مجتمع ديمقراطي
هناك تعريف آخر لمدى الخير، وهو ليس تعريفا مطلقا متسامياً، يعتمد إلى حد ما على تعريف الجدوى والأبيقورية ويرى أن الخير هو ما يختاره غالبية الناس في الواقع باعتباره "خيرا" أو، على الأقل، باعتباره الأقل شرا. وبموجب دعاة هذا التعريف فإن بني البشر يختارون في التصويت الديمقراطي، ولا سيما في التصويت المباشر، إمكانية معينة تبدو لهم أفضل من غيرها، أو يختارون ممثلا يمثل الخير أفضل مما يمثله ممثلون محتملون آخرون مطروحون للاختيار.
يقوم هذا المفهوم للخير، إلى حد ما، على تعريف "الموافقة العامة" لروسو. ويقول روسو إنه في الوضع الطبيعي تجسد "الرغبة العامة" لجميع بني البشر الذين يربط بينهم "ميثاق اجتماعي" مدى الخير المثالي والمطلق، إذ إن خيارهم سيجسد ما هو مرغوب جدا لدى جميع بني البشر. ينطوي هذا المفهوم على مشكلة مركزية وهي أن هذا الوضع الطبيعي لم ينتج وهناك صعوبة ملحوظة في صياغة تعريف حالة قد ينشأ فيها أو حالة قد تقود إليه. وكما بين المؤرخ يعقوب طلمون، ومن بعده مفكرون آخرون، فإن الفرضية أن هناك "رغبة عامة" مشتركة بين جميع بني البشر تقود عادة إلى إنشاء "ديمقراطية شمولية" وهو نظام ديكتاتوري تسعى فيه أقلية حاكمة إلى السيطرة على المعرفة المطلقة بشأن ما هي "الرغبة العامة الحقيقية". إذا رفضنا التعريف المطلق لروسو فإن فكرة الخير تصبح نتاجا لخيار أضعف كمرشد للتدريج الأخلاقي وتنتج عن ذلك عدة مشاكل. الأولى هي أن هذا التعريف للخير يصنف احتمالات معطاة حسب ترتيب أولويات معين متبع لدى غالبية بني البشر، ولكنه لا يشتمل على أي بعد أخلاقي. مثلا: إذا صوت سكان قرية ما في انتخابات ديمقراطية مباشرة على بناء أو عدم بناء حانة في ضواحي القرية فإن حسمهم يعكس ميزان مجمل الاعتبارات والمصالح ومشاعر أبناء القرية حول الموضوع ولكنه لا يحدد هل الحانة هي شيء جيد أم شيء سيء بشكل مطلق. هناك ثمة صعوبة أخرى في هذا التعريف وتكمن في أن تفضيل الأغلبية يعكس المفاهيم وسلم الأولويات لدى جزء من المجتمع في مكان وزمان معينين. وهو لا ينطبق خارج هذا الإطار، وقيمة الخيار هي توقعية وليست أخلاقية، بمعنى أنه يمكن الاستنتاج منه فيما يتعلق بتفضيل الأغلبية، وليس فيما يتعلق بالخير والشر المطلقين.
هناك قضية أخرى مرتبطة بهذا التعريف وهي حقيقة أن الخيار بين الإمكانيات المتاحة، والتي يكون عددها وجوهرها محدودا، يجعل الخيار ليس خيار الخير الشخصي الأقصى بل خيار الشر الشخصي الأدنى. ليس الخيار خيار الإمكانية المفضلة بل هو خيار الإمكانية الأقل ضررا في نظر الناخبين.

عند الرواقية والأبيقورية لا ينفصل الخير الأسمى عن الفضيلة والحكمة والسعادة.
 أرسطو يرى أن تحديد الخير يقتضي اعتباره من جهة كونه غاية جماعية لا فقط كغاية فردية, ذلك أن الإنسان عنده هو حيوان اجتماعي, و من هذا المنطلق تعتبر الإيتيقا بالنسبة إليه معرفة متعلقة بالفعل, و ترتبط بالخير الأسمى الذي يمثل غاية كل فعل إنساني, والخير الأسمى هو السعادة, و هكذا فإن السعادة عند أرسطو تتمثل في فعل عقلي يتحدد في التأمل كنشاط عقلي, الذي يتماهى و الفضيلة. يقول أرسطو "إذا لم تكن السعادة حقا إلا الفعل المطابق للفضيلة، فمن الطبيعي أن يكون الفعل المطابق للفضيلة التامة، أعني فضيلة الجزء الأعلى من الإنسان". وهو ما يعني أن السعادة هي نتيجة الحياة الفاضلة. وبما أن الفضيلة ترتبط بالتأمل العقلي الذي يمثل ما هو أعلى في الإنسان، فإن السعادة تتجاوز اللذة الحسية البسيطة من جهة كون اللذة مؤقتة في حين أن السعادة لا زمنية ودائمة، والتأمل العقلي هو الذي يحقق ثباتها دوامها. وبالتالي فإن الحكيم الذي يتأمل الخالد في حياة رفاه يجسد الإنسان السعيد. وهذا الموقف الأرسطي ينخرط في التصور الإغريقي الأودوني Edémoniste  الذي يقر بأن السعادة هي غاية كل فعل، وتتحدد السعادة باعتبارها تطابق بين الإنسان ونظام الطبيعة. ولكن يجب أن نلاحظ أن أرسطو يربط بشكل صريح البحث عن السعادة بالتنظيم العقلاني للحياة الاجتماعية. فالإيتيقا ترتبط بالسياسة، وخير الفرد يتوقف على الخير الأسمى للمدينة وبالتالي للدولة. وبما أن السعادة هي مثال أعلى وهدف، فإنه من الضروري تعميمها وأنسنتها وبالتالي تسييس البحث عن السعادة.
تلك هي أيضا وجهة نظر الموقف النفعي. ذلك أن اشباع اللذات لا يقود إلى السعادة إلا في إطار المصلحة العامة. والنفعية هي موقف جيريمي بنتام Jeremy Bentham الذي انتهى إلى تجريد القيم الأخلاقية من كل أساس مرجعي متعال، بما أن المبدأ الأخلاقي الوحيد عنده هو مبدأ المنفعة بمدلولها الخاص و الفردي. و رغم تأكيده على دور الدولة في ضمان النفع لأكبر عدد من الأفراد، فإن بنتام يخلص إلى أنه يجب على الفرد أن يتحقق من المنفعة التي تعود عليه هو ذاته من الفعل قبل أن يقوم به. ومن هذا المنظور المادي يذهب بنتام إلى التأسيس "لعلم حساب اللذة والآلام"، قاصدا أن يكون معيارا لقياس السلوك الأخلاقي والعملي قياسا كميا. وبما أن المبدئية الأخلاقية هي المنفعة، فقد كان لازما على هذا العلم أن يؤسس لطريقة تمكن من قياس اللذة، تلك التي يصنفها بنتام إلى نوعين "متجانسة" و"غير متجانسة ويحرص بنتام على التأكيد على أن مقياس الكم قابل لقياس ما يسميه باللذات المتجانسة، غير أنه عندما يبحث اللذات غير المتجانسة، كلذة القراءة مثلا وغيرها فإنه اعترف بصعوبة حسابها كميا. لذا نجده يبحث عن مقياس آخر يقاربها به والمقياس البديل الذي وضعه لا يخرج عن الرؤية الكمية النفعية التي تحكم منظوره ككل؛ ذلك أنه رأى أن هذه اللذات غير المتجانسة يمكن قياسها بـالمال أي أنه يجب على الفرد أن يقيس تلك اللذة بمقدار ما يصرفه من مال لتحصيلها، فإذا كان المبلغ المالي الذي تحتاجه مكلفا يجب أن يعرض عنها إلى لذة أقل منها كلفة.
و جون ستيوارت ميل John Stuart Mill، الذي يحدّد السعادة من زاوية مادية وجماعية، والذي يستعمل مفهوم الخير باعتباره مجموع الخيرات التي يمكن الحصول عليها يسير في نفس اتجاه بنتام عندما أقر : "نعني بالمنفعة امتلاك أي شيء ننحو بفضله إلى تحقيق مصلحة، مكسب، لذة، خيرا او السعادة". وهو موقف غير بعيد على التصور الابيقوري، الذي يحدّد السعادة باعتبارها اللذة وغياب الالم تماما مثل التعاسة باعتبارها "الالم والحرمان من اللذة". إذ يعتبر أبيقور أن اللذة هي بداية الحياة السعيدة وغايتها فهي الخير الأول ومعيار الخير, فاللذة عنده هي إذن شرط الخير والخير شرط السعادة لكن بالتوازي اللذة هي الخير وهي السعادة بما أنها طبيعية في الإنسان. لكن عندما يعتبر أبيقور أن اللذة هي الخير لا يجعل من اللذة غاية كل فعل أخلاقي أي أنه رغم كونه يعتبر اللذة هي الخير الأول لا يقدم نظرية هيدونية لأنه يقدم اقتصادا كاملا في اللذة. فنحن لا نبحث عن اللذة إلا لندفع الألم لذلك فالسعادة عند أبيقور لا ترتبط باللذة الحسية فحسب وإنما تقتضي الحكمة التي توجهنا في إشباع اللذات.الحكمة واللذة هي طريق للسعادة التي تمثل عند أبيقور حالة تتميز بغياب الألم وبالتالي بغياب اللذة يسميها الأتراكسيا..
" يتفطن الإنسان بعد أن أمضى حياته في البحث عن الحقيقة أنه كان من الأفضل لو استغلها في فعل الخير" برجسن
"يمكن للإنسان القيام بالشر دون جهد إما الخير فهو دائما نتاج فن من الفنون" بودلير
أصحاب الرواق: الجبرية العاقلة والسعادة الصارمة
" إنما يريد الإنسان أن يكون سعيدا، ولا يريد إلا أن يكون سعيدا، ولا يسعه ألا يكون سعيدا" باسكال
شعار الرواقية كما قدمنا هو العيش في وفاق مع الطبيعة، فإذا كان الحكيم لا يستطيع أن يغير من سنن الكون شيئاً فبوسعه أن يتقبل بكل الرضا جميع ما يحمله قدره إليه فلا يجزع أو يحزن على أحد مهما كانت صلته به، وبوسعه أن يستأصل من نفسه كل ما يخالف منطق العقل من ألم وخوف وأوهام. لكن ما هو حيز الحرية المتروكة للإنسان أمام هذه الجبرية المطلقة؟ ألم يسخر الأبيقوريون مما يراه البعض قدرا وأن الإنسان نفسه هو سيد هذا العالم ولا سيد له؟ ترى الرواقية أنه يمكن الحفاظ على فكرة القدر مع تجنب فكرة الضرورة. حيث يميز خريزيبوس بين نوعين من العلل: العلل الباطنة، وهي العلل الأساسية والكاملة المتوقفة علينا، والعلل المساعدة والمقدمة وهي التي تكون سلسلة القدر. فهناك سلسلة من العلل المقدمة ستجعل مثلاً من هذا اليوم ماطراً. لكن العلل الأساسية الباطنة التي تتوقف علينا هي التي ستحدد الطريقة التي سنواجه بها هذا الحادث الخارجي. وهنا يلجأ خريزيبوس إلى مثاله حول المخروط والاسطوانة. حيث سيتحرك هذان بفضل دفع خارجي (علة مساعدة مقدمة) لكن سيتحرك كل منهما وفق طريقته الخاصة بحسب بنيته( علة باطنة كاملة أساسية). إذا لا تقوم حرية الإنسان على أن يريد أن يحدث كل شيء وفق رغباته. لا يوجد خلف أكبر من ذلك. فإذا كنت أريد أن أكتب اسم(زيد) فيجب أن أكتبه لا كما أريد أنا بل كما هو. ويذهب ابيكتيتوس إلى أن الحرية تقوم على أن تريد أن تحدث الأشياء لا كما يحلو لك ذلك وإنما كما تحدث هي، فإذا (( كنت مجبرا على أن أركب البحر فعلي أن أحسن اختيار المركب والقبطان والبحارة والفصل والنهار والرياح، هو ذا كل ما يتوقف عليّ. وبعدما أصبح في عرض البحر تطرأ عاصفة هوجاء، الأمر لم يعد أمري إنه أمر القبطان، فإذا غرق المركب ماذا عليّ أن أفعل؟ لن أعذب نفسي إطلاقاً، كل ما هو مولود يجب أن يموت إنه القانون العام، إذاً يجب أن أموت)). الأبيقورية تطالب الإنسان أن يتعلق باللحظة الحاضرة وبما تمنحه إياه من لذة دونما أن يكون هناك أي قدر فكل شيء في العالم يفسر بعلل فيزيائية. الحكيم الأبيقوري ليس له سيد بل متحرر دائما من الخشية من الآلهة والهلع من الموت، فيكون هو نفسه إلها بين البشر متحرراً من الحركة الباطلة للأشياء والموجودات. أما الحكيم الرواقي هو ذاك الذي يحب الزمان ويخضع له لأنه يعبر عن حياة العالم وتعاطف الإنسان مع الموجودات وإرادة الله. فنحن لا نخاف من الموت لأنه عملية طبيعية وانحلال انطلاقا منه تتولد أشياء أخرى. هكذا يكف القدر أن يكون قوة هي بجوهرها من خارج العالم، بل هو حقيقة واقعية تندرج في بنية العالم. إنه النظام الثابت في الأشياء. هو ترتيب يقوم منذ الأزل لكل شيء ويتبع ويرافق كل شيء آخر ولا يمكن انتهاكه، فهو عقل العالم أو قانون كل الأشياء الموجودة في العالم والتي تسوسها العناية الإلهية. إنه بتعبير آخر تلك الجبرية العاقلة.
الأخلاق بين الفضيلة والسعادة:
هكذا ترفض الرواقية الحرية كما يفهمها الأبيقوريون. فأفعال الناس لا تتمايز بكونها حرة أم لا، فكلها تخضع للضرورة الصارمة التي لا مفر منها وإنما تتمايز بكيفية انسياقها مع هذه الضرورة تلقائياً أم قسرياً. والسعادة لا تنتج عن اللذة بل إلى قبول الحادث باعتباره تعبيراً عن النظام. والخير هو الفضيلة وهي تعبير عن انسجام داخلي يتوحد هوياً مع انسجام العالم الكلي، لذلك اعتبر خريزيبوس أن الجميل هو وحده الحسن.
السعادة نتيجة للفضيلة، والفضيلة كائن حي، فهي من حيث الماهية بالفكر تكون، لنقل أنها رصانة عقلية. يقول ديوجينس اللارسي: (( إن من أغضبك ليس ذلك الشخص بل رأيك أنت، فاسع قبل كل شيء ألاتترك نفسك تنجرف مع خيالك، لأنك إذا ما تمهلت وترويت سيسهل عليك أن تكون سيد نفسك)). أما أبيكتيتوس فيتساءل قائلاً: (( ماذا يجعل الطاغية مخيفاً؟)) يتابع: ((إنهم أصحابه وأتباعه المسلحون بالسيوف والرماح. لكن الطفل يقترب منهم دون أن يخافهم. لماذا؟ لأنه لا يعرف الخطر. وأنت عليك ألا تعرفه وتزدريه)). الميل الأولي في الإنسان إنما هو حب البقاء وهو الذي يهدينا إلى التمييز بين ما هو موافق للطبيعة وما هو مضاد لها، فنحن ،حسب الرواقية، نطلب ما ينفعنا ونتجنب ما يضرنا عملاً بهذا الميل الأولي الذي هو ليس منصرفاً إلى اللذة كما هي الحال عند الأبيقوريين، لأن اللذة عرض ينشأ حين يحصل الكائن على ما يوافق الطبيعة. إن اتخاذ اللذة الناشئة عن الإشباع غرضاً وغاية يؤدي إلى انحراف الميول، وتساعد البيئة في ذلك بما تفرضه على الأطفال من عادات لاتقاء البرد والجوع والألم على أنواعه فنقنعهم أن كل ألم شر، وتشيد على لسان الأهل والمربيين والمرضعات والشعراء والفنانين باللذة والمال والكرامة، فتنقلب الميول إلى انفعالات وأهواء مضادة للعقل تحول دون الفضيلة والسعادة. وليس الانفعال هو الإحساس اللاذ أو المؤلم الحادث في النفس عن الأشياء ولكنه قبول النفس لهذا الإحساس. والفرق بينهما كالفرق بين الألم والحزن. الحزن والغبطة موقفان للإنسان بما هو موجود عاقل بإزاء الألم واللذة الذين هما حالان للإنسان بما هو حاس.
الانفعال إذا هو الصادر عن رضا النفس أو نفورها بإزاء إحساس ما أو حدث ما. فليس حكمنا بأن موت الصديق مصيبة هو الذي يحرك النفس بل حكمنا أنه من اللازم أن نحزن لهذا المصيبة، فإذا أردنا أن نستبعد الحزن وجب أن نستبعد هذا الحكم الأخير. ينقل عنهم شيشرون: (( كيف لا نقوم بأحكام خاطئة؟ لقد علمونا ذلك منذ طفولتنا. إذا ما تعثرنا بحجر وبكينا تنهال المربية التي تعلمنا المشي بالضرب على الحجر بدلاً من أن توبخنا. إيه ربي، ما ذنب هذا الحجر المسكين؟! هل كان عليه هو أن يخمن أننا سنتعثر به وأن يغير مكانه؟! عندما نصبح كباراً ونكلف بالوظائف نجد أنفسنا كل يوم أمام أسئلة مشابهة. هو ذا السبب في أننا نعيش ونموت أطفالاً(…) ندعو في الحياة طفلاً من لا يعرف كيف يعيش ولا يمتلك آراء سليمة))
النزعة الكسموبوليتية و المواطنة العالمية:
السعادة هي الخير الأقصى فليس يفضلها شيء آخر يمكن أن يناله الإنسان فكل ما عداها هو وسيلة لبلوغ السعادة. ومن الطبيعي أن تكون الغاية القصوى من التفلسف هي تحقيق السعادة. لكن عند الرواقيين السعادة ليست فردية ولا يمكن لها أن تكون كذلك بل هي جماعية، فما ليس بنافع للخشرم (جماعة النحل) ليس بنافع للنحلة. فالاجتماع الإنساني هو بحد ذاته موافق للطبيعة وهو صادر عن الأسرة التي هي جماعة طبيعية بامتداد التعاطف إلى خارج نطاقها. أما الأعراف والقوانين المختلفة بين الشعوب فهي عرفية بحتة ولا ينبغي أن يقف التعاطف بين الناس عند حد ولا أن يتفرقوا مدنا وشعوباً فجميعهم أخوة وليس بينهم أسياداً أو عبيداً. وعلى الحكيم الرواقي بالتالي ألا يعلن نفسه مواطناً أثينياً وحسب بل مواطناً في العالم أجمع. هنا تكرس الرواقية مفهوم المواطنة العالمية وتسجل نقلة نوعية لمفهوم المساواة. يقول زينون(( الناس كلهم مواطنو العالم(…) العالم موطن الإنسان والإنسان مواطن العالم)).
تجد هذه المساواة مبرراتها في أن الإنسان وحده العاقل بين جميع الكائنات الأخرى فإن أي فرد من أفراد الجنس الإنساني مساو لأي فرد آخر لاشتراكهما في الميزة الإلهية التي اختص بها البشر وهي العقل. فلا فرق إذاً بين حر وعبد أو بين رجل وامرأة أو بين يوناني وأجنبي أو بين غني وفقير، فهذه الفروق وليدة العادات والتقاليد. وإذا كانت العادات هي قانون البيئات المحلية فإن العقل هو قانون العالم وهو القانون الطبيعي الحقيقي وبه نحكم على قيمة التقاليد والقوانين المحلية و ونعرف فسادها من صلاحها. العرف ليس بالضرورة موافقاً للطبيعة والأولية والأولوية دائما للطبيعي. فعالمية الإنسان المواطن هي حكم الطبيعة. وهذا المواطن ليس مواطناً مجرداً فهو لا يعنى بأوهام تحقيق المدينة الفاضلة ولا يعتزل الحياة، بل يقوم بجميع وظائف المواطن. فيؤسس أسرة ويعنى بالسياسة ولا يثور على النظام القائم بل يجتهد في حسن التصرف في السياسة، فالحكيم سعيد ولو كان في ثور فالاريس (وهو أحد الطغاة في جزيرة صقلية في القرن السادس ق. م كان يشوي ضحاياه في تمثال ثور من البرنز المفرغ). هكذا كانت الرواقية ثورة سلبية استجابت لروح العصر الهيلنستي بتعدد شعوبه ومدنه وداعبت ذلك الحلم بتشييد دولة رومانية عالمية.
ولم يلح الرواقيون على المناصب السياسية فهي بالنسبة لهم كحبة البندق، إذا وقعت على ثوب الإنسان صدفة أخذها وأكلها وهذا كل ما تساويه، لكن الحكيم الرواقي لا ينحني لالتقاطها ولا يدافع أحداً للحصول عليها. يمكن أن نستثني من هذا المبدأ سيرة سنكا الذي خطب في العصر الروماني ود البلاط الإمبراطوري فعهد إليه بتربية نيرون. وهو من كتب له خطابه الذي ألقاه أمام مجلس الشيوخ مبرراً جريمة قتل أمه. لكن سنكا فقد الحظوة لاحقاً ومات بأمر من نيرون منتحراً بقطع شرايينه. أما مرقص أوريليوس فلم يكن بحاجة لأن يخطب ود البلاط فقد كان هو نفسه إمبراطورا. لكن عصره كان عصر قلاقل وفتن وكان عليه مواجهة ظروف صعبة ليس أقلها مواجهة حشود البرابرة على الحدود وتمرد القواد والمجاعات، بالإضافة إلى الطاعون الذي هو نفسه كان على ما يبدو أحد ضحاياه عام180 م.
يحتفظ الرواقيون للآلهة بأسمائها الشعبية الميثولوجية وإن استخدموا التأويل المجازي الفيثاغورثي بحيث يحافظون في الوقت نفسه على ما تشير إليه عندهم من كواكب وأحداث كونية. وهم يذكرون الله كما قلنا ويتوجهون إليه بالصلاة. وحاولوا دائما مجارات الجمهور والتعبير عنه. مع ذلك لم يقدر للفلسفة الرواقية أن تصبح فلسفة شعبية ولم تنتشر انتشار المسيحية المعاصرة لها والتي تأثرت بها بشكل أو بآخر بل ظلت الرواقية حكراً على النخبة المثقفة. وربما يعود ذلك لعدة أسباب:
ـ كانت الأخلاق الرواقية أخلاقاً صارمة تطالب الحكيم بالخضوع للقدر والنظام بألا يجزع أو يحزن على أحد مهما كانت صلته به الأمر الذي يخرج عن حدود الطاقة البشرية. والسعادة التي نادت بها الرواقية هي أشبه بالسعادة الداخلية المعزولة كلياً عن كل الظروف الخارجية. يقول ابكتيتوس: ((إذا رأيت إنساناً يخور من الحزن(…) فلا تتردد أن تخور وإياه، لكن حذار من أن تخور من أعماق نفسك)).
ـ ظلت الحكمة عند الرواقيين مفهوما مجرداً، فاتفقت الرواقية على أن لا أحداً من البشر كان حكيماً كاملاً حتى ولا سقراط نفسه. ولم تتجسد الحكمة في شخص كما هو حال المسيحية التي نجحت في تجسيد الله في الإنسان فاستطاعت بذلك إثارة عواطف الناس بعقيدة الخلاص أكثر مما استطاعت ذلك عقيدة العود السرمدي الرواقية. فإذا كان هناك عود أبدي بحيث يعود العالم بما احتوى، أفلا يكون من المناسب أن يعود أفضل مما كان؟ إن الثورة السلبية والخلاص الرواقي من حيث هو تحرر نفسي فردي كان يتطلب وعداً بعالم أفضل.
ـ قسمت الرواقية الناس إلى جاهل وفاضل وبدا أن هذا التقسيم نهائي. فيعتقد كليانتس أن من يمتلك الفضيلة لا يمكن بعد أن يفقدها لأن لها مقابض متينة يتمسك بها من يختارها. لذلك لم يعبأ الرواقيون بمن كان جاهلاً بل ترفعوا عن هؤلاء وتركوهم وشأنهم بدل أن يقدموا لهم يد العون.
ـ ولا تخلوا الفلسفة الرواقية من تناقض، ففي الوقت الذي طالبت فيه بالخضوع للطبيعة والتسليم بمشيئة القدر وعدم الاعتراض، فإنها بإلحاحها على عدم الخشية من الموت باعتباره جزء من العودة السرمدية انتهت إلى تكريس مبدأ الانتحار حين يعجز الحكيم عن أن يحيا حياة سعيدة. فها هو مثلاً كليانتس حين منعه الأطباء من تناول الطعام لمدة يومين لورم في لثته، يرفض العودة إلى تناول الطعام ويستسلم للموت جوعاً بعد أن عمر حسب رأيه بما فيه الكفاية.
بالرغم من هذا الإخفاق الشعبي للوغوس أمام الميثوس ظل تأثير الرواقية قويا عبر مختلف العصور ابتداء بالعصور القديمة مرورا بالعصور الوسطى وعصر النهضة حتى الأزمنة الحديثة فتشبع بأفكارهم العديد من الفلاسفة كإخوان الصفا ومونتييه وديكارت وباسكال و كانط. بل كان لها تأثير بالغ على مفكري المسيحية وعلى التشريع الروماني عموماً.
السعادة والرفاه :
إن ما يجعل السعادة مثال أعلى، بالنسبة للنفعية، هو كونها مقصودة وفق إستراتيجيا جماعية و كونها ترتكز على الاعتقاد في التقدم التقني و الاقتصادي. ذلك أن تفاؤل فلاسفة الأنوار، جعلهم يربطون السعادة بتطور المعرفة و الذكاء الإنساني، تفاؤل يجد في إقرار روسو بخيرية الإنسان سندا له، مما جعل روسو يؤكد في كتابه «إيميل» على دور التربية في تحقيق سعادة الطفل، إذ ينادي روسو بضرورة ترك الطفل يتطور وفق طبيعته الخيرة. وهو ما يؤكد أن السعادة هي أساسا مثال أعلى، فكرة، شيء علينا تحقيقه لا فقط بالنسبة للأفراد بل لكل الناس، و من هنا بالذات يحصل الإنزلاق الذي يجعلنا نتحول من الإنسانية إلى النفعية كما تجلت عند بنتام وميل، ثم إلى المادية الصرفة و الفردانية التي غدت فيها السعادة اليوم مرادفة للرفاه.
فأن نعتبر الخير كمجموع الخيرات التي يمكن الحصول عليها، و أن يبحث كل فرد عن أكثر لذة و أقل عناء، هو أن نعتبر سعادة الفرد جزءا من الرفاهة العامة. ذلك أن النفعية تتحدث عن السعادة في المستوى الاجتماعي، و بالتالي السعادة لكل الناس رغم كونها تختزل الخير في النافع. فالنافع هو ما يمكن من تحقيق الخير، وهو مفهوم سبق أن تحدث عنه أبيكتات وحتى اسبينوزا، فالحكيم الرواقي يبحث عن النافع. غير أن النافع عند إبيكتات كما عند اسبينوزا لا يرتبط بما هو مادي، في حين ننظر اليوم إلى النافع باعتباره نافعا ماديا. ذلك أنه بالنسبة للنفعية، لكي تكون السعادة شيئا يمكن توزيعه بطريقة عادلة بين الناس، يجب أن تكون مادية، فلكي تكون قابلة للقسمة يجب أن تكون قابلة للقياس، و بالتالي تتماهى السعادة مع الرفاه في المجتمعات الاستهلاكية.
لكن الفردانية ليست فقط واقع ولكنها أيضا مثال أعلى، وإتباع حاجات الفرد كعنصر في المجتمع ليست فقط أمرا مقترحا بل يقدم كخير مطلق. فالمجتمع الاستهلاكي ليس فقط مادي، وذو نزعة مادية لأنه يكرس خطابا يسعى من خلاله لإقناع كلّ الأفراد، بل انه مثالي بطريقته، بما انه يقدم الرفاه كمثال أعلى، رفاه فردي ولكن رفاه فردي لكلّ الناس. وخطاب السوق هذا، ككل خطاب أيديولوجي، يزعم انه يقدم أجوبة لكل التساؤلات. وحول السؤال الذي قد يطرحه كلّ واحد منا: ما السعادة؟ يجيب يجتمع مجتمع السوق بدلا عنا. وإجابة المجتمع الاستهلاكي تقدم لنا مثالي السعادة كرفاه، وبهذه الكيفية يكون لكلّ الناس نفس مثالي السعادة. في حين أن كانط عندما أقرّ بان السعادة هي مثال أعلى للتخيل، كان يؤكّد على كون السعادة شأن شخصي. ولا يجب بالتالي أن نخلط بين تحقيق الرفاه وتحقيق السعادة. ثم إن المجتمع الاستهلاكي عندما يقدم مثال أعلى للسعادة الفردية كرفاه، ينولّد عن ذلك اغتراب الأفراد بالنسبة للاجتماعي، إذ يصبح لهم نفس المثالي الشخصي. والمجتمع الاستهلاكي الذي يدفعنا للفردانية، يدفعنا جميعا كالقطيع، وهذا النوع من الفردانية ليس مرادفا بالضرورة للتسيير الذاتي وللحرية.
لذلك لابدّ من مراجعة طرح مسألة السعادة، بالعودة أولا إلى الفصل بين الاتيقا والأخلاق، إذ لماذا تكون السعادة مسألة إتيقية؟ لماذا علينا أن نختار بين أخلاق واجب وإتيقا سعادة؟ لماذا لا يمكن التفكير فيهما معا؟ وبالتالي المصالحة بين الواجب والسعادة، بين الحرية وبالتالي الفردانية الحقة والخضوع للجبر الأخلاقي من جهة كونه طريق الكونية والإنسانية.
إن السعادة تطرح باعتبارها مثال أعلى وبالتالي لا كشيء معيش، وذلك ليس غريب بما ان السعادة تتحدّد كحالة اشباع كامل ومتواصل في الزمن، و كحالة اكتمال لا يمكن أن تكون السعادة شيئا معاشا، ولكن مع ذلك لا يجب الزهد في طلبها مثلما بين ذلك فرويد.
إن السعادة هي حالة الرضاء التام والامتلاء لذلك تختلف عن اللذة التي هي رغد مستحب من طبيعة حسية. وإذا كانت السعادة تعني راحة تامة وتتقدم باعتبارها الخلود ذاته فإن اللذة زمانية فهي حركة ودينامية قد تطيلها وتضخمها الذاكرة والخيال, لكن السعادة تختلف أيضا عن الفرح ففي حين أن اللذة مجزأة فإن الفرح هو حالة وجدانية إجمالية إذ تمثل كما بين ذلك سبينوزا التحول من حالة كمال منقوصة إلى حالة أرفع منها, حالة تزيد فيها قوة فعل الجسد,أما السعادة فإنها ليست تحولا فالفرح ديناميكي في حين أن السعادة ستاتيكية فالسعادة التامة تبدو إذن مسألة يصعب تحقيقها رغم كون الأنساق الهيدونية كانت تقدم طرائق يفترض أنها تحقق السعادة كذلك الشأن الأبيقورية مثلا. و إذا كانت السعادة هي حالة الإشباع التام لكل الرغبات فإن ذلك يعني أن سبيل تحقيقها هو القضاء على كل ألم وإذا كان أبيقور ينظّر في أخلاقه إلى طرق تمكن من تجاوز الألم حتى وإذا كان ذلك بطريقة واهمة عبر الخيال والتخيل والتذكر فإن فرويد ينفي ذلك إذ يبدو أن الألم يتمادى مع الوجود الإنساني، إذ يجد مصدره في قوة الطبيعة وشيخوخة الجسد بل حتى في سلاح الإنسان ضد هذين المصدرين أي الحضارة, فالألم إذن يوجد في التركيبة النفسية للإنسان لكن إذا كان الألم متماد مع الوجود الإنساني فإن ذلك لا يجب أن يؤدي بنا إلى الزهد في الحياة وفي طلب السعادة إذ يبدو حسب روسو أن سعادة الإنسان لا تتحقق في السكينة التامة واستكمال الملذات بل تتحقق بالمكابدة والمجاهدة لأن الحياة التامة التي تتحقق فيها كل آمالنا و أحلامنا تعني الموت لأننا عندها كون محرومين من لذة الرغبة.
 هكذا يمكن القول أنه، وفي مقابل السعادة، يتقدم الفرح كشيء معيش.وبالتالي كحالة ديناميكية غير ستاتيكية مثلما هو شأن السعادة. ولعلّ تفكير اسبينوزا في الفرح وعلاقته بالمعرفة يمكننا من الجمع بين الواجب والسعادة فالمعرفة هي مجال الحرية الحقة بالنسبة إلى اسبينوزا، والفعل الحسن عند اسبينوزا هو البحث عما يسميه بالنافع الخاص، ولا يتعلق الأمر بالخيرات الخبرية التي تؤدي إلى الاغتراب مثل اللذة والشرف والثراء، بل على العكس من ذلك النافع الخاص يزيد من قوة فعل الفرد وقوة فعل المجموعة، والعقل هو الذي يحدّد هذا النافع الخاص، إذ المعرفة هي التي تمكن الفرد من أن يحقق ذاته بحسب رغبته، فالإنسان الحر حسب اسبينوزا هو من يرغب في الخير.
يقول اسبينوزا "إن الإنسان الحر يرغب في العقل، في الحياة، في المحافظة على كيانه على أساس البحث عن النافع الخاص، هو ذاك الذي لا يفكر في الموت بل إن حكمته هي تأمل في الحياة"، وهذا الوجود الحر والسعيد والعقلاني هو جائزته، وليس هو نتيجة حساب، انه التعبير من الفرد ذاته عندما يحقق ذاته ذلك أن "الغبطة ليست جائزة الفضيلة ولكن الفضيلة ذاتها، ونحن لا نعيش الفرح لأننا نمنع رغباتنا الحسية، بل عكس ذلك لأننا نعيش الفرح نستطيع منع هذه الرغبات" والغبطة باعتبارها أرقى درجات الفرح تتقدم كحكمة ثابتة، والإنسان الحر يحقق الغبطة لأنه يحقق كمال ذاته.
البراغماتية مذهب يقرر أن الدليل على الحقيقة هو فعاليتها ونجاح الفعل في التحصيل على نتيجة مفيدة
وهي تقول ان القاعدة لا تكون صالحة الا عند التطبيق في ظروف معينة والتوصل عن طريقها. المعيار الوحيد للحقيقة هو اذن فعاليتها ونجاحها وفائدتها وتحقيقها.
النفعية:
النفعية مذهب يجعل من المنفعة مبدأ جميع القيم سواء كان ذلك في مجال المعرفة أو في مجال العمل. فمبدأ الأخلاق هو إذن المنفعة والمنفعة علاقة بين الذات والموضوع في رأي بنتام وهي علة اللذة نقسها كما أن غايتها تحقيق خير الفرد والجماعة. ومن أجل معرفة اللذات التي ينبغي تفضيلها على غيرها وضع بنتام حسابا سماه بحساب اللذات. فكلما كانت اللذة أشد وأخصب ومدتها أطول كان تفضيلها على غيرها أنفع.
جان ستوارت مل يرى أن السعادة هي مجموع من اللذات المحددة الكمية والكيفية وأن الأخلاق النفعية يجب أن تبنى على التجربة التي تثبت أن جميع الناس يبحثون عن منفعتهم والعقلاء يفضلون اللذات الشريفة على اللذات الخسيسة ويقدمون مل المنفعة العامة على المنفعة الخاصة ويرفعون من قيمة الفضائل المجردة على المتع المادية.
يسعى فلاسفة النفعية إلى التوفيق بين منفعة الفرد ومنفعة المجموعة وتحقيق السعادة التي هي اللذة الخالية من الألم والتي لا تنفصل عن المنفعة.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire