2 ـ
تــــــمهيد
إن الشغل ظاهرة
مرتبطة منذ القديم بتحقيق الحاجات الضرورية في حياة الإنسان. ولكن المجتمعات
القديمة كانت تميز بين عمل وآخر ؛ فاليونان ـ مثلا ـ كانوا يستهجنون العمل
اليدوي.. هكذا كان أفلاطون وأرسطو ينظران إلى الشغل ويربطانه بالعمل اليدوي، ومن
ثمة فهو عمل لا يصلح إلا للرعاع والعبيد. إن العمل اليدوي، في نظر فلاسفة اليونان،
يتنافى مع ماهية الإنسان، لأن الإنسان "حيوان عاقل"، ومن ثمة تكون
الخصوصية الأساسية للإنسان هي التفكير. هكذا يكون العبد مجردا من خصوصياته الإنسانية،
فأصبح ـ كما يرى أرسطو ـ مجرد آلة، لأنه يعوض الآلة التي يحتاج إليها الإنسان.
غالبا ما يفيد الشغل في
التمثل الشائع العمل العضلي والجهد الجسدي الذي بموجبه يحول الإنسان الطبيعة.
وهكذا يرتبط مفهوم الشغل في التمثل الشائع بالعمل اليدوي، ويقصي العمل الفكري كفاعلية
يمكن اعتبارها شغلا. وفي التمثل المعجمي العربي، فإن الشغل يفيد ـ إضافة إلى العمل
اليدوي ـ شغل حيز مكاني، فيكون بهذا ضد الفراغ ؛ حيث نقول مثلا : "هذه
الطاولة تشغل هذا المكان". ويفيد الشغل ـ كذلك ـ العمل الفكري خصوصا حينما
يصبح الفرد مهووسا بفكرة معينة، فيقال مثلا : "هذه الفكرة تشغل ذهن هذا
الشخص". بل إن كلمة صناعة في اللغة العربية تنتقل من مستوى الحرفة لتشمل
العمل الفكري، فيقال مثلا : صناعة الأدب، صناعة الحكمة ...الخ. وفي التمثل المعجمي
الفرنسي، فإن الشغل le travail يفيد كلا من العمل الفكري واليدوي. وإذا انتقلنا إلى
مجال الفلسفة، فإن الآراء المتداولة حول ظاهرة الشغل تنقسم إجمالا إلى : فلسفات
رافضة للشغل باعتباره إقصاء لماهية الإنسان، وفلسفات تعتبر الشغل أساس كل قيمة
إنسانية، وأخيرا فلسفات تنتقد الشغل دون أن تقصيه من الظواهر الإنسانية. انطلاقا
من هذا تتولد الإشكالات التالية : هل الشغل خاصية إنسانية أم حيوانية ؟ ماهي
الأثار التي خلفها تقسيم الشغل على حياة الإنسان ؟ هل الشغل فاعلية تعمل على تحرير
الإنسان وتحقيق ذاته ؟ أم أنه يعمل ـ على العكس ـ على استعباد الإنسان واستلابه؟
1-
الــــــشغل خاصية
أنـسانية:
الشغل هو النشاط الموجه إلى إنتاج شيء نافع اجتماعيا
وهو يجري وفق قواعد تجبر الإنسان وتلزمه بسلوك معين. يطرح الشغل مفارقة تتمثل في
النظر اليه في نفس الوقت على أنه ضرورة ناتجة عن الطبيعة الإنسانية وعلى أنهى عنف
مسلط على هذه الطبيعة.
المشكل الفلسفي يتعلق بمعناه وأبعاده ودوره والأسئلة
التي تعبر عن هذا المشكل هي:
من يشتغل؟ وكيف؟ ولماذا؟ وبأي وجه ومعنى يمكن القول
ان هذا النوع من النشاط يدمج الفرد في المجتمع؟
"الشغل هو التغيير النافع للمحيط الخارجي من طرف
الإنسان"
" كل شغل مثلما يحرص على خلق إنسان يحرص على خلق
شيء في الآن نفسه" مونييه
" ليس الشغل النشاط الحيوي لدى الحيوان وليس هو
التأمل الفكري المحض بل هو دائما الفكر الذي يلج بصعوبة داخل المادة
فيروحنها" لاكروا
موقف كارل ماركس:
إن الأطروحة الماركسية، تنظر إلى الشغل من وجهين : فالشغل هو مجهود جسمي وقوة
فزيائية يسخر بهما الإنسان الطبيعة لنفسه، حيث يقول ماركس : "إن العمل
الحي يأخذ الأشياء ويبعثها من بين الأموات" ؛ كما أن الشغل فاعلية (أو
نشاط) مرتبطة بماهية الإنسان، فبواسطته ينمي الإنسان مواهبه وملكاته وقدراته. وانطلاقا من هذا يمكن
طرح الإشكال التالي : هل يمكن اعتبار إنجازات بعض الحيوانات شغلا ؟ إذا تأملنا ما
تقوم به بعض الكائنات الحية، يبدو كأنها تشتغل، وقد نجدها تضاهي في مهاراتها أمهر
الصناع الآدميين، ومع ذلك يرى ماركس أنه لا يمكن اعتبار إنجازاتها شغلا، لأن الفعل
الذي يصدر عنها مجرد سلوك آلي غريزي ونمطي. فالشغل ـ إذن ـ ظاهرة إنسانية لارتباطه
بالوعي. بمعنى أن الشغل معاناة فكرية، هو تصميم وتخطيط وتدبير، هو إبداع وخلق
وابتكار، هو سلوك غائي يبحث عن الأفضل، هو شعور بالمتعة وتحقيق للذات. فهو ليس
نشاطا معزولا، وإنما هو ـ كما قال ماركس ـ مسار تتفاعل فيه ثلاثة مكونات : الشغل
ذاته كفعل للإنتاج، والمادة التي هي موضوع التحويل، والأداة التي بواسطتها يحدث
فعل الإنتاج... وكنتيجة لهذا، يرى الماركسيون أن الشغل خاصية إنسانية بامتياز.
موقف نيتشه:
يقف نيتشه موقف المستغرب من أمثال هذه التحاليل لأنه يرى أن الاستغلال أمر
طبيعي، لأن إرادة القوة كانت دائما هي المتحكمة في أعناق الناس. فالإنسان بطبعه
يعمل على هيمنة "أخلاق القوة" (أخلاق السادة) ومن الطوباوية أن نفكر في
مجتمع ينعدم فيه الاستلاب لأن المجتمعات لا يمكن أن تنسلخ عن أشكال الاستغلال. إن
المساواة وأفكار التحرر لا تكون إلا بين الأقوياء الأنداد. وتجدر الإشارة إلى أن نيتشه
يرفض العمل اليدوي لأنه يعتبر شيئا يتنافى مع القيم الأرستقراطية التي تعبر
عن عدم الحاجة إلى العمل، وضرورة الانصراف إلى العمل الفكري، والمطالعة،
وكتابة الرسائل الطويلة، وهذا كله من شيم السادة الأقوياء.
في هذا السياق نجده
يقول:" في الحقيقة أصبحنا نفهم اليوم أن العمل هو أحسن طريقة للنظام والردع
وأنه أفضل ما يعوق بشدة نمو العقل والرغبات والتوق الى الحرية."
إلا أن الإشكال الذي يطرح نفسه في هذا
الإطار هو : ألا يمكن للإنسان أن يتحرر من خلال الشغل وبواسطته ومهما كانت طبيعة
العمل الذي يمارسه؟
2- تقسيـــــــــم
الشغل:
موقف ادم سميث:
لقد أبانت الثورة
الصناعية عن قيمة العمل والتصنيع. لذا نجد آدم سميث A. Smith يؤكد أن الشغل هو أساس كل قيمة تبادلية، فقد تبين بعد
تقسيم الشغل، أن الفرد أصبح في حاجة إلى غيره لينتج له ما لا يستطيع هو إنتاجه.
كما أن قيمة المنتوج تزداد بكمية المجهود المبذول لإنتاجه. فالشغل إذن مثل العملة،
فهو الثمن الذي يدفعه الإنسان ليقتني الأشياء أو ليعطيها قيمة.
موقف إيميل
دوركايم:
إن الشغل حسب
إيميل دوركايم نابع بالأساس من تقسيم العمل داخل مجتمع ما والذي يمكن أن يأخد
شكلين أساسيين :
·
تقسيم العمل داخل مجتمع تحكمه العادات والتقاليد ، حيث يكون الفرد ملزما بتطبيق
تعليمات الجماعة وأي خروج عن تلك القواعد يتعرض للنبذ والنفي ويسمى التضامن الآلي
، لكن هذا النوع من التقسيم يجعل المجتمع غير قادر على تحقيق التقدم ، لأنه يرتكز
على ماهو أخلاقي أكثر مما هو وظيفي ، فتسود فيه الكثافة الروحية.
تقسيم العمل داخل مجتمع يكون فيه الأفراد غير مرتبطين بالجماعة ولكن يبقى في حاجة
إليهم كما هم في حاجة إليه ويسمى بالتضامن العضوي ، وهذا النوع من التقسيم يحقق
فيه المجتمع تقدما كبيرا، لأن الأفراد فيه تجمعهم علاقات وظيفية بعيدا عن ماهو
روحي ، وهذا ما جعل إيميل دوركايم يرى أن هذا النوع تكون الكثافة المادية فيه
مرتفعة جدا ، ويكون أكثر تنظيما وأكثر وصولا إلى تحقيق التقدم.
3-
الشغل بين الإستيلاب والتحرر
عمل (شغل)
فرنسية: Travail
انكليزية: Labour, Work
ألمانية: Arbeit
1/ احتلّت
مسألة العمل، في مخطوطات 1844، موقعا أساسيا في صميم الخطاب الاقتصادي الفلسفي
لماركس الشاب الحائز على إرث ثلاثي المصدر: الفلسفة الهيغيلية والاشتراكية
الفرنسية والاقتصاد السياسي الانكليزي. وقد طبّق ماركس على العمل مقولة الاستلاب
المأخوذة مباشرة عن فيورباخ. وهو يرى أنّ العمل يعني استلاب ماهية العامل ذاتها
وذلك باعتباره المسار الذي ينتج، بفضله، الإنسان نفسه، منتجا خارج ذاته شروط
وجوده، أي فئة الأجراء التي تجعل من المنتوج ملكا للرأسمالي وتحوّله إلى رأس مال
هو عبارة عن قوّة غريبة ومعادية.
وقد وضع ماركس نصّا آخر
كتب في سنة 1844 يقوم فيه بتحليل العمل في
مستوى أشمل للإنتاج البضاعي بصفته تلك، هذا الإنتاج المدرك بوصفه علاقة
خارجانية وعدائية بين عمّال متنافسين، وبوصفه تبعية الفرد إلى الهياكل الاجتماعية.
ومن منظور علم الإنسان (الأنثروبولوجية) لدى فيورباخ، حيث يعني تحديد الذات كفرد
اعتبار الفرد نفسه جنسا بشريا مع اعتبار غيره، غاية، فإن الملكية الخاصة تبدو
كعائق لإنتاج مطابق للطبيعة الحقَّة وللـ «اجتماعية» (Gemeinweser) الإنسانية الأصيلة.
بالنسبة إلى
هذه المقاربة المتميّزة بمجرّد مزاوجة بين المقولات الإنسية الفلسفية (التي ندرك
بسهولة أنّها نسخة من مواضيع لاهوتية قديمة) والمفاهيم الاقتصادية للمدرسة
الكلاسيكية، فإن مؤلَّف الإيديولوجية الألمانية الذي نظر إلى العمل في إطار نظرية
أنماط الإنتاج، أي من زاوية العلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، شكَّل
قطيعة حاسمة سمحت بتحليل خصوصية المسار الرأسمالي للعمل والنزعات الخاصة بهذا
المجتمع. وقد رسم بيات 1848 والعمل المأجور ورأس المال (1849) خطوطها العريضة.
وفي الوقت
نفسه، توضّح تأثير ريكاردو. فمقولة القيمة أصبحت، انطلاقا من بؤس الفلسفة،
ترتكز، بصورة جليّة، على مدّة العمل الضرورية اجتماعيا. وبهذه الصفة،
احتلَّت منذ ذلك الوقت موقعها كقاعدة لنقد للاقتصاد السياسي، الذي اتّخذ شكل
نظرية. وقد شكّل هذا المشروع، منذ سنة 1857، في مخطوط الغراندريسه حيث عوّض
مفهوم قيمة قوّة العمل عن مفهوم قيمة العمل اللاعقلاني. وهو ما سيتيح إمكانية
تقديم متماسك لنظرية فائض القيمة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن العمل المكوّن
للقيمة قد حدّد في هذا المخطوط باعتباره عملا مجرّدا، وذلك بشكل أوضح من تحديد
ريكاردو له. وستعرض المساهمة (1859) أوّل تحليل منهجي للعمل سيعتمده رأس المال
بشكل واسع.
2/ إن القسم
الأوّل من الكتاب الأوّل لرأس المال خصّص بالتحديد لوضع نظرية القيمة على قاعدة
مدّة العمل بالمعنى الذي أشار إليه ريكاردو، أي ليس على قاعدة المدة
الخاصّة بالمنتج الفردي أو بالمؤسّسة، بل على قاعدة كمية العمل الضرورية اجتماعيا،
أي بمعنى تلك الكمّية الموافقة لمعدّل شروط الإنتاجية والمهارة والكثافة.
العمل
الملموس والعمل المجرّد
لكنّ ماركس
ابتكر عندما عرض بصفة أوضح الزّوجين عمل ملموس/عمل مجرّد. وهو يعتبر هذا الابتكار
أحد إسهاماته الطريفة إذ يقول: «إني أوّل من أبرز هذا الطابع المزدوج للعمل
المجسّد في البضاعة. ونظرا لكون الاقتصاد السيّاسي برمّته يحوم حول هذه النقطة،
فمن الواجب علينا هنا أن نخوض في تفاصيل أدّق».
إن العمل
الملموس أو النافع هو العمل الذي يعني قيمة استعمالية خاصة. وهو يفترض
إذا مادّة وتقنية وأدوات خاصة، ويحتلّ موقعا محدّدا ضمن تقسيم العمل.
أمّا العمل
المجرّد، فهو، على العكس من ذلك، يوافق، باعتباره أساس قيمة، ما هو مشترك
بين كلّ الأنشطة المنتجة أي إنفاق قوّة بشرية. «إن كلّ عمل هو من جهة إنفاق،
بالمعنى الفسيولوجي، لقوّة بشرية وهو يكوّن بصفته عملا بشريا متساويا، قيمة
البضائع. ومن جهة أخرى، فإن كلّ عمل هو إنفاق للقوّة البشرية في هذا الشكل المنتج
أو ذاك المحدّد بهدف خاص. وهو ينتج، بصفته عملا ملموسا ونافعا، قيما استعمالية أو
منافع».
العمل البسيط
والعمل المركّب
أوضح ماركس
أنّ العمل المركّب (skilled labour) ليس سوى العمل
البسيط المضاعف «بحيث أنّ كمّية معينة من العمل المركّب توافق كمّية أكبر من العمل
البسيط».
وتجدر
الإشارة إلى أن تفكير ماركس حول هذه المسألة اتسم بالتقلبات والتردّد. فالعمل
البسيط الذي هو قياس القيمة مدرك في بؤس الفلسفة باعتباره نتيجة للنموّ
الصناعي الرأسمالي. أما في المساهمة، فقد أُدرْك كسمة تسم أيّ مجتمع، ولكنّه يميّز
العهد البرجوازي خصوصا. وفضلا عن ذلك، فهو يبدو كنمط وجود العمل المجرّد ذاته («إن
هذا التجريد للعمل البشري العام موجود في العمل الوسطي الذي يمكن لأيّ فرد عادي من
أفراد مجتمع معيّن أن ينجزه... إنه عمل بسيط»). وهذا ليس، في رأينا، أمرا سهلا بما
أنّه يعني تغييرَ المفهوم وإعطاءه معنى تجريد حقيقي. وفي رأس المال نعثر، ما بين
السّطور، على الغموض نفسه وكذلك المماثلة «عمل بسيط=عمل وسيط» التي تبرز الصّعوبات
التي تطرحها مسألة الكمّية. وأخيرا، لا يبدو لنا أنّ مسألة اختصار العمل المركّب
إلى عمل بسيط قد فضّت هي الأخرى بصفة صريحة، إذ أنها طرحت كمُصادرة. فالشارة
التحليلية الوحيدة وردت في جزء الفصل الثاني عشر من الكتاب الأوّل المخصّص لفائض
القيمة: «العمل ذو الإنتاجية الاستثنائية يعتبر عملا مركّبا، أو يخلق خلال
مدّة معيّنة قيمة أكبر ممّا يخلقه معدّل العمل الاجتماعي من النوع نفسه». ولكننا
ندرك أنّ الأمر لا يتعلق هنا بحلّ ملائم بصفة مباشرة لإعمال مختلفة الأنواع أو
متباينة الفروع.
العمل: قياس
القيمة وجوهرها
في حين اهتمّ
ريكاردو أساسا بالقيمة النسبية أو المقارنة، فإن ماركس وجّه الاهتمام نحو القيمة
المطلقة، أي نحو العمل ذاته الذي هو مقياس داخلي للقيمة، وذلك لأنه جوهر القيمة.
وهذا يعني أنّ ماركس عندما اعتبر العمل المجرّد عنصر مجانسة للحقل اقتصادي
سامحا بإدخال الحساب، فإن الإشكالية التي أثارها تعجز الاقتصادوية عن فهمها،
لأنه فسّر العمل من الوهلة الأولى على أنّه علاقة اجتماعية حبلى بالتناقضات.
ويبدو لنا أن مقولة «إنفاق قوّة العمل» تستتبع مقولة «استهلاك» قوة العمل من قبل
الرأسمالي. ولهذا السبب، فضلا عن ذلك، وخلافا لما يحدث في النظام الريكاردي، فإن
تحليل العلاقة الأجرية، بوصفها علاقة هيمنة، يندرج هنا في عرض النظرية بصفته إحدى
لحظاتها الضرورية.
مسار العمل
افتتح القسم
الثالث من الكتاب الأوّل بتحليل مطوّل لمسار العمل، بصفة عامة، المتكوّن من
العناصر التّالية: «1- النشاط الشخصي للإنسان أو العمل بالمعنى الحقيقي للكلمة.
2- المادة التي يغيّرها العمل.
3-الوسيلة التي يستعملها العمل من أجل ذلك.
وهذا المسار
يهدف لى الحصول على قيمة استعمالية خاصة بالاستهلاك أو بالإنتاج. وهكذا، فقد تمّ
تعريف العمل بأنه مسار استهلاك منتج يخضع الإنسان بواسطته الطبيعة إلى حاجاته بفضل
وسائل هي بحدّ ذاتها مصنوعة.
العمل الحي والعمل الميت
هكذا، يمارس
«العمل الحيّ» على العمل الميت. إن أهمية هذا التحليل تمكن خاصّة في كونه يظهر
الفارق بين مفهوم العمل أو مفهوم الإنتاج بصفة عامة (إنتاج قيم استعمالية) ومفهوم
الإنتاج الرأسمالي (إنتاج فائض القيمة) علما أنّه يجب فهم هذا التحليل في صيغ نمط
إنتاج أي بفضل التحديدات الاجتماعية الخاصة به: ملكية وسائل الإنتاج وإدارة مسار
الإنتاج من قبل المالك. إن المفهوم الأول يقتصر على ذكر الشروط المادية لكلّ حياة
بشرية. أما الثاني، فهو مفهوم من مفاهيم المادّية التاريخية: إذ هو يسمح بتصوّر
الشّروط التي ينمو في ظلها مجتمع محدّد. ففي نمط الإنتاج الرأسمالي تحديدا حيث
يشكّل تراكم فائض القيمة منطقه، يعرّف «العمل المنتج» بأنه ذاك العمل الذي ينتج
فائض قيمة. وهكذا، فإن هذا العمل يكتسب غائية مغايرة لغائية العمل بصفة عامة،
وهي غائية تكتشفها التطوّرات الخاصة بالرأسمالية.
العامل الجماعي
قدّم القسم
الرابع هذه العناصر لسوسيولوجيا تاريخية للعمل وخصوصا من خلال مفهوم العامل
الجماعي (Gesamtarbeiter) الذي يشير في مختلف المراحل (مانيفاكتورة، صناعة كبرى...) إلى
أنماط تقسيم العمل في المؤسّسة، وتنظيمه، وتسلسله التفاضلي، كما يدلّ على الميزات التي
يسعى النظام إلى إضفاءها على مختلف فئات العمّال. ولنضف أنّ كامل تحليل ماركس يطغى
عليه الفصل من جهة، بين العمل الخاص حيث تكون وسائل الإنتاج ملكيةَ فرد (العامل
نفسه أو الرأسمالي)، ويكون المنتوج هو أيضا ملكا لفرد، ولا يصبح اجتماعيا إلا بفضل
توسّط التبادل الذي هو نظام يؤدّي إلى تحويل قوة العمل إلى بضاعة، كما يؤدي إلى
كل تناقضات الرأسمالية. ومن جهة أخرى، بين العمل الاجتماعي بصفة مباشرة،
القائم على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والذي عليه أن يسمح بتنظيم العمل
ليلبي الحاجات الفردية والجماعية.
المؤلفان: غي كير وجاك
بيديه - المترجم: هادي بلحاج
المصدر: جيرار بن
سوسان و جورج لابيكا، معجم الماركسية النقدي ، دار الفرابي . بيروت
، لبنان ، من صفحة 947 إلى صفحة 949
موقف فريدريك
إنجلز:
ترى الماركسية أن
الشغل تحول (مع ظهور المجتمعات الصناعية) إلى ظاهرة تعمل على استلاب الإنسان بدل
أن تحرره، حيث يؤكد انجلز Engels أن الشغل أصبح عملا إجباريا يعمل على إذلال الإنسان
وإفقاده كرامته. وكان ذلك نتيجة لتقسيم العمل، حيث أصبح الفرد يشتغل مقابل شيء
تافه (الأجرة) لا تربطه به أية علاقة إنسانية. بل إن تبسيط الشغل أدى إلى اختزاله
في حركة تافهة يكررها العامل دون توقف ؛ فتحول الشغل إلى عمل رتيب ومخبل، يعمل على
تشييء الإنسان والانحدار به إلى مصاف الحيوان. وهذا الإحساس بالاستلاب يظهر ـ كما
يقول ماركس ـ من خلال نفور العامل من الشغل حيث يحس داخله بالشقاء والتذمر،
وانهيار نفسي وإرهاق يمنعه من تطوير طاقاته وتحقيق ذاته. وتكون النتيجة الحتمية
لهذا وضع عكسي : بدل أن يحس الإنسان بكينونته داخل الشغل، أصبح يبحث عن ذاته في
أوقات الفراغ في أعمال تعتبر مجرد وظائف حيوانية كالأكل، والنوم، والإنجاب. إن
الاستلاب في نظر الماركسية ليس إلا نتيجة حتمية للاستغلال الناجم بدوره عن الملكية
الخاصة لوسائل الإنتاج.
موقف جون بول سارتر
يرى سارتر أن تقسيم الشغل على الطريقة التايلورية أدى إلى استلاب الإنسان. فمن
المعروف أن النزعة التايلورية ترى أن المردودية في الاقتصاد لا تقوم إلا على
الزيادة في الإنتاجية بأقل من الجهد والتكاليف، وفي أسرع وقت ممكن. ومن ثمة
يكون العمل المتسلسل القائم على نظام الآلية النموذج المثالي لتحقيق الأهداف
الاقتصادية، لكن هذا ـ في اعتقاد سارترـ لا يمنع العامل من التحرر من أشكال
الاستلاب من خلال جدلية العبد والسيد، التي أبان هيغل - من خلالها - كيف أن العبد
يستطيع أن يحقق ذاته بواسطة الشغل ويجبر السيد بالتالي على الاعتراف به. فلما أصبح
العبد وسيطا بين السيد والطبيعة مكنه ذلك من السيطرة على الطبيعة ومن تبعية السيد
له، وهذا إدراك أولي لصورة الحرية. وإذا كيفنا هذا التمثل مع نموذج العمل المتسلسل
يتضح أن جدلية العبد والسيد لا يمكنها أن تتحقق إلا إذا تصور العامل الحركة
البسيطة التي يقوم بها في بعدها الوظيفي، أي في تكاملها مع الحركات التي يقوم بها
العمال الآخرون ؛ الأمر الذي يدفع بهم إلى أن يتمثلوا أنفسهم كما لو كانوا ذاتا
واحدة، ومن ثمة يدرك العامل أنه لا يمكنه أن يحقق ذاته بمعزل عن الآخرين. وعلى
العامل في ذات الوقت أن يتمثل فرديته كذات يجب بناؤها من الداخل من خلال عملية
التكوين المستمر التي ستمكنه من مواكبة تطورات نظام الآلية. إلا أن الإشكال
المطروح هنا هو : هل يمكن أن يتطور نظام الآلية دون أن يكون على حساب كينونة
الإنسان ؟
موقف جورج فريدمان:
يرى جورج فريدمان G. Friedmann أن نظام الآلية يحتوي على سلبيات، أهمها، أنه يعرض
العامل إلى استلاب ذهني وإلى تدهور نفسي، بل واستلاب اقتصادي من جراء البطالة التي
تكون عادة نتيجة حتمية لتعميم الآلية وتطورها. كما أن بعض المصالح الفردية قد تؤدي
إلى تعميق القطيعة بين العمال ورؤسائهم مما يسبب تدهور العلاقات الاجتماعية. إلا
أن فريدمان يرى أنه يجب التخلص من تلك النظرة الاختزالية والسطحية لنظام الآلية
والتي تلخص هذا النظام في السلبيات فقط. إن إيجابيات الآلية تفوق بكثير
سلبياتها. فمن الطوباوية الاعتقاد أن العامل يمكن أن يستفيد بشكل مباشر مما
ينتجه كما كان الأمر معمولا به في القرون الوسطى. ومن الطوباوية كذلك أن يتحقق
الإنتاج دون التضحية نسبيا بحرية العامل. إلا أنه من الممكن دائما أن يبحث العامل
عن تحقيق ذاته ويحققها خارج المصنع، في أوقات الفراغ. فيكفي التأكيد على أن نظام
الآلية أراح العامل من الاستعباد الجسدي الذي كان يعاني منه من جراء الأعمال
الشاقة والمضنية. كما مكن رجال الأعمال من الربح لما يمثله نظام الآلية من اقتصاد
في التكاليف. إضافة إلى أن نظام الآلية لا يهدد كرامة الإنسان باعتباره
مستهلكا، حيث يستطيع كل فرد أن يستجيب لحاجاته الضرورية وينميها نظرا لما سيجده
أمامه من وفرة.
" ليس صحيحا أن الآلة تقضي على كل شعور بالفرح أثناء العمل بل الأوضاع التي يفرضها
تنظيم العمل بصورة تقنية لصالح بعض الأفراد هي ما يعمق الهوة بين العامل وعمله
الممكنن" فريدمان.
إستــــــــــنتاج:
إن الشغل ظاهرة استأثرت باهتمام الفلاسفة والسياسيين والسوسيولوجيين، وعلماء
الاقتصاد وغيرهم. ففي الوقت الذي يرتبط فيه الشغل عند البعض بالإنتاجية والتقنية،
والتصنيع، والتقدم والتخلف ...الخ ؛ يرتبط عند آخرين بالالتزام، وخلق الذات للذات،
وتواصل الذات مع الآخر، والرغبة والاعتراف والتبادل والحرية والاستلاب ...الخ.
ومهما تعددت الأطروحات، فإننا لا نستطيع أن نتصور العالم اليوم دون ظاهرة الشغل،
أو حياة ليس فيها عمل، إلا إذا كنا طوباويين أو مستغرقين في أحلام اليقظة ؛ وكما
قال كارلايل : "إنه من الحماقة أن نلعن الشمس لأنها لا تشعل لنا لفائف
التبغ". ومن ثمة، لابد من الاعتقاد بالبعد الفلسفي للشغل باعتباره علاقة
ميتافزيقية جديدة بين الذات ونفسها، بين الذات والمجتمع. فإذا كان ديكارت قد قال
:"أنا أفكر فأنا إذن موجود" ؛ فإننا يمكن أن نعارضه بهذه الفكرة :
"أنا أشتغل إذن أنا موجود" لأن أبشع أشكال الاستلاب هو استلاب اللاشغل
(أو استلاب البطالة). فالشغل وحده يستطيع أن يحقق للإنسان إنسانيته ويضمن له
كرامته.
إننا اليوم نوجد بالقدر الذي نعمل، بل
الأصح أن وجودنا متوقف على الشغل، من خلاله نستطيع أن نتفاعل مع ذواتنا ومع
الآخرين، وهو الكفيل بأن يقيم التصالح بيننا وبين أنفسنا، بيننا وبين مجتمعنا.
العمل والتبادل:
إعداد:إدريس رفيع، المأمون حساين، عبد العالي صابر،عز الدين الطحوش
إن التبادل ظاهرة
إنسانية بامتياز لا يمكن حصرها في إطار مستوى معين؛ فمن الصعب القول إنها ظاهرة
اقتصادية فقط, أو اجتماعية فقط, أو أنثروبولوجية بالحصر. و الوصف الأليق بها وصفها
بأنها ظاهرة إنسانية كما تقدم؛ فلما كان المجال الذي
تتم فيه هو المجتمع درسها علماء الاجتماع انطلاقا من هذا الأساس, و باعتبار أن
موضوع التبادل عادة ما يكون مواد استهلاكية قابلة للقياس الاقتصادي, درسها علماء
الاقتصاد من هذه الناحية, و لما كانت تعبيرا عن ثقافة الإنسان الممارس لها تناولها
الأنثروبولوجيون بالبحث و الدراسة. و إذا كان التبادل ظاهرة إنسانية بامتياز و اللغة كذلك,
فسيكون من المثير مقاربة التبادل من الجانب اللغوي, مما سيغني معرفتنا بهذا
المفهوم.
جاء في معجم "لسان العرب"
لـ "ابن منظور": " البَدِيل البَدَل, و
بَدَلُ الشيء غَيْرُه (...) بِدْل الشيء و بَدَله و بَدِيله الخَلَف منه, و الجمع أَبدال؛ قال
"سيبوبه": " إِنَّ بَدَلك زَيد أَي إِنَّ بَديلك زَيْد" قال:
" و يقول الرجل للرجل اذهب معك بفلان فيقول معي رجل بَدَلُه أَي رجل يُغْني
غَناءه و يكون في مكانه", و تَبَدَّل الشيءَ و تَبدل به و استبدله و استبدل
به كُلُّه اتخذ منه بَدَلاً". إن هذه الدلالات تركز على العناصر المستلزم وجودها في كل
تبادل, و هي الشيء المبدل أو المستبدل و المبدل به, هذا بالإضافة إلى الأطراف
الفاعلة في التبادل باعتبارهم ذواتا مريدة. و قد جاء في نفس المعجم " و بدّله الله من الخوف أَمْناً, و تبديل الشيء تغييره و إِن لم تأْت ببدل, و
استبدل الشيء بغيره و تبدَّله به إِذا أَخذه مكانه, و المبادلة التبادُل, و الأَصل
في التبديل تغيير الشيء عن حاله, و الأَصل في الإِبدال جعل شيء مكان شيء آخر
كإِبدالك من الواو تاء في تالله, و العرب تقول للذي يبيع كل شيء من المأْكولات
بَدَّال (...) و قد جعلت العرب بدَّلت بمعنى أَبدلت, و هو قول الله عز وجل: ﴿أُولئك يبدّل
الله سَيِّئاتهم حسنات﴾ أَلا ترى أَنه قد أَزال السيئات و جعل مكانها حسنات ؟ (...) وقال "الليث":
"استبدل ثوباً مكان ثوب وأَخاً مكان أَخ ونحو ذلك المبادلة".
من خلال ما سبق يتضح الجانب الإيجابي من التبادل؛ فالإنسان لا
يتبادل إلا قصد الحصول على ما هو أحسن و أفضل بالنسبة له, و من ناحية دينية
هناك تجارة بين الله و بين الإنسان, و التجارة وجه من وجوه التبادل, فإذا كانت هذه التجارة رابحة بالنسبة للإنسان أبدل الله
سيئاته حسنات, هذا مقابل أن يؤمن الإنسان بالله و يتبع سبيله فلا يبدله و لا ينحرف
عنه, ليكون بذلك من الأبدال؛ جاء في "لسان العرب": " و الأَبدال قوم من الصالحين بهم يُقيم اللهُ الأَرض, أَربعون في
الشام و ثلاثون في سائر البلاد, لا يموت منهم أَحد إِلا قام مكانه آخر, فلذلك سُمُّوا
أَبدالاً, و واحد الأَبدال العُبَّاد, بِدْل وبَدَل, و قال "ابن دريد":
" الواحد بَدِيل (...)وبَدَّل الشيءَ حَرَّفه, و قوله عز وجل: ﴿و مـا بَـدَّلوا تبديلاً﴾" يستخدم البدل بمعنى البديل, و قد يستخدم بمعنى الوجع؛ ورد في "لسان
العرب" قول "ابن منظور":" و البَدَل وَجَع في اليدين و
الرجلين, و قيل وجع المفاصل و اليدين و الرجلين بَدِل بالكسر يَبْدَل بَدلاً فهو
بَدِلٌ إِذا وَجِع يَديه و رجليه, (...)
و يقال للرجل الذي يأْتي بالرأْي السخيف : "هذا رأْي الجَدَّالين و
البَدَّالين", و البَدَّال الذي ليس له مال إِلا بقدر ما يشتري به شيئا,ً
فإِذا باعه اشترى به بدلاً منه يسمى بَدَّالا".
و هذه الدلالات التي ذكرناها نجد باقي المعاجم تتفق
حولها؛ يقول "الزمخشري" في "أساس البلاغة": " بدل
الشيء غيره, (...)
و استبدلته و بادلته بالسلعة إذ أعطيته شروى ما أخذته
منه, ورب بدل شر من بدل وهو وجع في العظام, (...)
و هو من الأبدال أي الزهاد".
و في "الصحاح" لـ
"الجوهري" نقرأ ما يلي: "البديل البدل, و بدل الشيء غيره, (...) و تبديل الشيء أيضا تغييره و إن لم يأتي ببدل, (...) و المبادلة التبادل, و الأبدال قوم من الصالحين".
و نفس الشيء وارد في معجم "العين"
لـ "الخليل ابن أحمد الفراهيدي": "البدل خلف من الشيء, و
التبديل التغيير, واستبدلت ثوبا مكان ثوب و أخا مكان أخ و نحو ذلك المبادلة".
أما "الزبيري" في " تاج
العروس" فنراه يذكر بعض الدلالات النحوية اللغوية للجذر ب.د.ل, يقول في
معجمه: " حروف البدل أربعة عشر حرفا: حروف الزيادة ما خلا السين و الجيم و
الدال و الطاء و الصاد و الزاي, يجمعها قولك: أنجدته يوم صال زط, و حروف البدل
الشائع في غير إدغام أحد و عشرون حرفا...".
و في "جمهرة اللغة" لـ "إبن
دريد": " بادلت الرجل مبادلة و بدالا إذا أعطيته شروى ما تأخذ منه, (...) و البادل لحم الصدر واحدتها بادلة"
بالرغم من أن ظاهرة
التبادل قد خضعت كغيرها من الظواهر الاجتماعية للتغير والتطور فأصبحت لها أشكال
عديدة وصور مختلفة ودلالات متعددة إلا أن السمة الغالبة كما يرى مارسيل
"موس" في التبادلات هي تلك الوظائف الثقافية والاجتماعية
والاقتصادية والرمزية, و يضيف "موس" من خلال دراسته حول المجتمعات
البدائية أن التبادلات قد تبدو أنها تقدم عن تفضل وإرادة بينما هي في حقيقة الأمر
ليست اختيارية بل جبرية ولغرض معين ولذلك أطلق عليها موس التبادلات الإلزامية{[1]}.
إن التبادلات الإلزامية هي التي تأخذ عنصر الإلزام والإجبار بمعنى أنه يتحتم
على الشخص يردها بأخرى مماثلة أو بما يساويها في القيمة او أكبر منها, و تأخذ
ظاهرة الإلزام في المجتمعات البدائية ثلاث مظاهر : العطاء والأخذ والرد. أي
الالتزام بتقديم التبادلات {الهدية كنموذج}والالتزام بقبولها والالتزام بردها وهذه
الثلاث مظاهر مرتبطة بشكل كبير في المجتمعات البدائية .
ويرى موس أن التبادلات
مهما كان نوعها أو شكلها ومهما كانت نوعية المناسبات التي تقدم فيها وحتى عندما لا
يكون الذي توهب إليه في حاجة مادية إليها إنما تتضمن بالضرورة نوعاً من الالتزام
تفرضه على المعطى له وتتطلب منه أن يقوم بردها إما بما يساويها في القيمة أو أكبر
منها في القيمة . ولقد حاول موس أن يتوصل إلى تفسير علمي لخاصية الجبر والإلزام
في التبادلات. وفهم القواعد والقوانين التي تحكم هذه الظاهرة وتجعل منها
شيئاً جبرياً وليس اختيارياً . وأخيراً توصل هذا الانثروبولوجي إلى أن هذه الصفة
الإلزامية في تبادل الهدايا في المجتمعات البدائية ترجع إلى عدة عوامل نذكر منها:
1 – أن الشيء المعطى كائن له روح وتكمن فيه قوة تحركه وهو
مرتبط بصاحبه الأول، فإذا أعطى فإن روح الشيء نفسه تضمن رجوعه أو رجوع ما يعادل
قيمته إلى مالكه الأول.
2 – وجوب العطاء ووجوب الأخذ ووجوب الرد فوجوب العطاء مرجعه
أن الشيء بما أنه متداخل مع صاحبه ومتكامل معه فإن إعطاءه يعتبر تعبيراً عن رغبته
في التقرب إلى الشخص المعطى له والتحالف معه . ووجوب أخذ الشيء المقدم هو بمثابة
تعبير عن قبول هذه المحالفة والمشاركة والقرابة التي عرضها المعطي . والامتناع عن
العطاء والأخذ معناه رفض المشاركة والتحالف وذلك في حكم إعلان الحرب الخاصة أو
العامة .
3 – مفهوم القربان والصلة بينه وبين الهبات ، فالقربان هو
الهبة إلى الناس لوجه الآلهة والطبيعة وقد يكون أحياناً لوجه الآلهة والأرواح كثمن
للحصول على الأمان والسلام{[3]} فالاعتقاد عند الكثير من المجتمعات
البدائية أن التبادلات{الهبة كمثال} تكمن فيها قوة روحية تتسبب في رجوعها إلى
معطيها الأصلي وهذه هي إحدى المفاهيم التي حاول الأنثروبولوجيين دراستها وبحثها .
والسبب الآخر هو أن إعطاء الهبة وقبولها وردها يعني الرضا بقبول العلاقة مع
المتبادل معه والدخول في أحلاف وصداقة أو قرابة . والرفض يعني علنياً عدم قبول هذه
الصداقة أو التحالف. وهذا ما يجعل من تبادل الهبات شيئاً مقدساً وإلزامياً في
المجتمعات البدائية . ففي جزر التروبرياند يدخل سكان الجزر في تحالفات سياسية
وتفرض عليهم عملية التبادل المستمرة عدداً من الحقوق والواجبات والالتزامات
المتبادلة وبذلك تخلق نوعاً من العلاقات الواسعة الممتدة بين القبائل المختلفة .
وبما أن التبادلات تعتبر ظاهرة اجتماعية إذاً لابد أن لها من وظائف وسنحاول أن
نعرض لبعضها هنا.
الوظائف الانتربولوجية
للتبادلات{الهبة كنموذج}:
1 –وظائف لها علاقة بالشرف والسمعة :
2 –وظائف توطيد العلاقات الاجتماعية :
3 –وظائف اقتصادية :
إن نظام التبادل
الشعائري يتبعه مقايضة لسلع تجارية كنشاط ثانوي . ويجري التبادل في الكولا بالسلع
القيمة وهي العقود والأساور المصنوعة من المحار بين شركاء الكولا . وعلى الرغم من
أن هذا النظام يعتبر نظام شعائري بالدرجة الأولى ولا تحصل فيه المساومة إلا أنه
يوجد فيه تبادل لسلع تجارية ثانوية .
4 –وظائف لها علاقة بالمركز الاجتماعي:
رؤية أنتربولوجية لقداسة التبادل:
إن التبادل الذي يتم بين أفراد المجتمع تصاحبه دائماً بعض الطقوس والشعائر.
فهذه الطقوس تعمل على حفظ حقوق أطراف العلاقة في الأخذ والرد ولذلك فإنها تحقق
الاستقرار وتدعم أواصر العلاقات داخل مجتمع القبيلة. بالإضافة إلى أن هذا النظام
الشعائري يهدف إلى اكتساب المزيد من الشرف والسمعة الطيبة وذيوع الصيت عن طريق
المنح والإعطاء والمبالغة في الرد
ما يفهم من لفظ التبادل في المجال الفلسفي يختلف
باختلاف الأنساق الفلسفية و السياق التاريخي الذي جاءت فيه, و آية ذلك أن كل مفهوم
في الفلسفة يحمل طابع الفلسفة التي أنتجته و لا يفهم المقصود منه إلا بإرجاعه إلى
السياق التاريخي و المذهب الذي ورد فيه و على هذا الأساس نجد "جبراييل
مارسيل" يؤكد أن التبادل خاصية إنسانية تؤسس للوجود الأصيل. فالوجود
الحق لا يقوم إلا على نوع من التبادل بين الأنا و الآخر, بيد أن التبادل هنا
لا يعني النظر إلى الآخر بوصفه موضوعا أو أداة في خدمة الأهداف, كما لا يعني النظر
إليه على أنه غاية في ذاته أو أن له قيمته الخاصة به و التي لا تعادل قيمتي,
بل إن التبادل هنا يعني الحوار مع الآخرين و التواصل معهم, كما يعني المشاركة و
المحبة و عن طريقه ندرك شخصيتنا و نؤسس لوجودنا الحقيقي. كما يؤكد "جبراييل
مارسيل" أن حدود التبادل لا تقف عند حوار الأنا مع الغير بل يمتد إلى
تبادل أرقى يجمع بينهما.
و هذا "ماركس" كارل يؤكد أن المجتمع
الإنساني يقوم على أساس تبادل المنتجات؛ لهذا يعتبر التبادل
المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه كل نظام اجتماعي, ذاك أن الإنسان تكون لديه
حاجات أساسية ينبغي إشباعها لحفظ بقائه, لهذا يتجه نحو الطبيعة لتحقيقها, و من هنا
الدخول في علاقة جدلية مع الطبيعة. و لكن ضعفه و ضغط الحاجة يدفعه إلى
الدخول في نوع من التبادل الاجتماعي مع الغير و القائم على التفاعل بين الطبقات
الاجتماعية قصد استغلال الطبيعة. إلا أن انقسام المجتمع إلى طبقات ( طبقة مالكة
لوسائل الإنتاج و طبقة عاملة) يجعل التبادل قائما على المنفعة والاستغلال.
و تختلف مظاهر التبادل باختلاف أنماط الإنتاج عبر التاريخ, لكن معظمها يعبر عن
تفاعل قائم على الصراع و الاستغلال و المنفعة:
- نمط
الإنتاج القديم : التبادل بين الأسياد و العبيد
- نمط الإنتاج الإقطاعي: التبادل بين العسكريين و
الأقنان.
- نمط الإنتاج الرأسمالي: التبادل بين أصحاب
وسائل الإنتاج و العمال.
و إذا عدنا إلى الفلسفة الحديثة "توماس
هوبز" ينظر للتبادل على أنه خاصية إنسانية لم تتمظهر إلا عند الاجتماع البشري
وفق عقد اجتماعي ينظم طبيعة التفاعل والتواصل بين أفراد المجتمع الذين كانوا سابقا
يعيشون حالة حرب فيما بينهم منعت قيام أي شكل من أشكال التواصل والحوار و التفاعل.
إذا كنا نعتبر أن
التبادل خاصية إنسانية بامتياز, فإن الإنسان بالفعل كائن تبادلي لأنه يمتلك
أعقد أشكال التبادل, ليتجاوز بذلك التبادل المادي و الإقتصادي إلى التبادل
الرمزي الذي يتجلى بالأساس في تبادل التمثلات و الأفكار و التصورات و
المواقف و السلوكات, و بالتالي يمكننا القول إن التبادل سمة سيكولوجية اجتماعية و
ثقافية.
في سياق ذلك أغنت السيكولوجية مفهوم التبادل
وساهمت في توضيحه بالوصف والتحليل الدقيقين لمتغيراته المعرفية الوجدانية و
الإجتماعية معتبرة إياه خاصية إنسانية بامتياز ينبغي تطويرها وتفعيلها لدى الأفراد
والجماعات. و تأتي أهمية المقاربة السيكولوجية للتبادل من كون هذا الأخير لا يمكن
دراسته بمعزل عن النشاط المعرفي و الوجداني و اللغوي و التواصلي و باستقلال عن
ميادين مثل: الإدراك, الفهم, الذاكرة, حل المشاكل, المواقف الذاتية, الإنفعالات؛
فالتبادل في أبعاده اللغوية و التواصلية بين الأفراد هو سلوك ناتج عن التربية و
التنشئة الاجتماعية يترك آثارا على نفسية الأفراد.
إن التبادل في أبعاده اللغوية و التواصلية يقوم
بوظيفتين أساسيتين:
1) الوظيفة الإعلامية الإخبارية و يتجلى
ذلك في تبادل المحتويات التي تكون عبارة عن وقائع و أحداث وأفكار ومعارف تتعلق
بالعالم الفيزيائي والإجتماعي والذي يجب على الفرد أن يتعلمه هو كيف يستوعبه
ويتحكم فيه.
2) وظيفة ممارسة المراقبة؛ويتجلى ذلك في
سلوك الشخص للمعنى المتبادل الرمزي والتواصلي ويمثل هذا الطلبات, الاقتراحات,
الأوامر, البرهنة, التشجيعات والتأثيرات الوجدانية التي يكتسبها الطفل ويستعملها
للتأثير على محيطه.
إن التبادل نفسيا هو مجموعة من التأثيرات
المتبادلة على مستوى الحالات الشعورية واللاشعورية للشركاء داخل نفس المحيط
الاجتماعي. ومن وجهة نظر علم النفس الإجتماعي فإن التبادل الرمزي والإجتماعي
للأفكار والمعارف والتمثيلات والمواقف هو بالأساس تفاعل بين عدة شركاء تحدده
قواعد الوضعية والسياق. فالتبادل إذن صيرورة ديناميكية للتأثير والتفاعل
المتبادلين.
أما التبادل كمفهوم سيكولوجي في نظرية
التحليل النفسي عند "سيغومند فرويد" فإنه يأخذ بعدا مهما بحيث يعتبر محوريا
في الشخصية و ذلك تبعا لمنطق التبادل الذي يحدث بين الجوانب الفطرية و البيولوجية
مع البيئة الاجتماعية إنها علاقة شد و جذب, ومن خلال هذا الصراع والتبادل والتفاعل
مع البيئة تتكون الشخصية وتنمو ويتحدد شكلها.
و حسب النظرية السلوكيةBehaivorisme
و خصوصا مع "واطسن"
يعتبر التعلم هو الإطار و المجال الذي يحدد التبادل الإنساني في بعده
السلوكي بحيث أن تبادل السلوكيات بين الناس هو عبارة عن تبادل لمجموعة من
المثيرات و الاستجابات فيما بينهم؛ فالتبادل في هذا السياق يأخذ صبغة انفعالية و
بالتالي فالفرد في هذا العدد على أن التبادل بهذا المعنى هو نشاط آلي و
ظاهري يمكن تحليله إلى و حدات بسيطة هي الاستجابات الأولية التي ترتبط بمثيرات
محددة للكشف عما بين هذه الوحدات من علاقات, و دراسة القوانين التي تتحكم في هذا
السلوك.
[2]-ايفانزبريتشارد "الانتربولوجا الاجتماعية"ترجمة أحمد
أبوزيد،المنشورات الجامعية المصرية،القاهرة1976 ص56
-[4] ايفا
نز بريتشارد"الانتربولوجيا الاجتماعية"مرجع سابق،ص64
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire